تسريبات بنما.. وفساد العالم!

«احنا مش لوحدنا.. ده احنا كتير قوى»، إنها تلك الكلمة الخالدة التى برر بها البطل لضحيته كيف أنه لا يمارس الرذيلة منفرداً، وهى الحجة التى يستخدمها الشيطان دوماً لتبرير كل خطأ يوسوس به لبنى آدم منذ بدء الخليقة، والواقع أنها تنجح مع الكثيرين وفى معظم الأحوال!

إنها المتلازمة القديمة، لست الوحيد الذى يخطئ، لست أنا فقط من يفعل هذا، هناك الكثيرون مثلى، فلست وحدى الذى أخطئ أو أتهرب من الضرائب أو حتى أكوّن ثروات سرية من موقعى السياسى، فالنماذج هذه المرة كثيرة للغاية، ربما العالم كله!

ربما كانت تلك الوثائق التى خرجت علينا نتيجة تحقيق استقصائى عالمى -ربما هو الأكبر تاريخياً- الذى اشترك فيه أكثر من ثلاثمائة صحفى من ثمانين دولة هى الدليل الأكبر على أن الفساد لا وطن له، وأن النقائص لا تعرف حدوداً، وهو الأمر الذى ربما يتيح للبعض التغنى بنغمة إننا لسنا وحدنا الذين نعانى منه، فالحقائق التى ظهرت هذه المرة تثبت أننا تقريباً نعيش فى عالم فاسد بالكامل!

الصورة هذه المرة أكبر بكثير مما قدمه لنا جوليان أسانج منذ أعوام، أو ما يعرفه الناس بوثائق ويكليكس، فالأمر لا يتعلق هذه المرة بتحالفات سرية واتفاقات سياسية من خلف الستار، وإنما يتعلق بالسؤال الذى يحير الجميع دوماً، الذى لا تجد إجابة له فى معظم الأحوال، هل يتصف ذلك المسئول بالشرف والأمانة كما يبدو عليه؟

لقد فضح زلزال بنما وتوابعه الكثير من الرموز، التى كنا نتوسم فيها الشرف، فضلاً عن أنه أجاب عن تساؤلات عديدة عن هؤلاء الذين كنا نؤمن بفسادهم ولكننا لا نعرف أين يحتفظون بكل تلك الأموال، بل وكيف يديرونها؟!

الطريف أن العديد من الأسماء كانت معروفة منذ فترة طويلة مثل ابن مبارك فى مصر والأمير حمد بن خليفة أمير قطر السابق، ولكن أسماء جديدة قد ظهرت ربما كانت مفاجأة حقيقية، منها لاعب الكرة الأشهر «ميسى»، والمرزوقى الرئيس التونسى السابق، الذى كان يتصنع الشرف والأمانة طوال فترة حكمه!

الاهتمام الذى حدث حول تلك الوثائق لا يتعلق بكشف الفساد الذى أصاب العالم كله فقط، ولا حتى يتعلق بتلك الأسئلة حول سبل المحاسبة واستعادة تلك الأموال أو على الأقل إخضاعها للمساءلة حول مصدرها والضرائب المستحقة عليها وحده، فالبعض يتصور أن ظهورها يعنى أننا سنستعيدها ثانية بسهولة، أو أن صاحب المال سيستحى أن يعرف الناس عنه أنه يمتلك كل هذه الأموال، وربما أشعل بخوراً أو أخرج شيئاً لأهل الله اتقاء لشر العين والحسد! أذكر أيام الثورة الأولى حين ظهرت شائعات أننا سنستعيد ما سرقه مبارك وولداه من قوت الشعب، وأنه يقدر بنحو سبعين ملياراً من الجنيهات، لقد بدأ الجميع فى حساب نصيبه من تلك الأموال، بل إن البعض قد شرع فى خطوات إصدار بطاقات رقم قومى «مضروبة» حتى يحصل على أكبر نسبة ممكنة!

الصورة السابقة -على الرغم من أمنيات الكثيرين أن تكون صحيحة- لا محل لها من الإعراب تماماً، فما يقدمه مكتب «موساك فونسيكا» البنمى -الذى تسربت تلك الوثائق منه- من خدمات قانونية بالكامل على الرغم من تحايله الواضح، الأمر الذى يجعل الفضيحة والوثائق كلها لا قيمة لها، ربما أحدثت بعض الاضطرابات الحكومية فى الدول التى ستعتبر استثمار الأموال فى ما يدعونه «ملاذات ضريبية منخفضة» جريمة، إلا أنها ستؤدى إلى دفع الضرائب المستحقة عنها فقط، ولا أعتقد أننا سنكون من تلك الدول، فلا نمتلك قانوناً بهذا الشكل!

ربما شكلنا لجنة جديدة لفحص من تورط من مواطنينا فى تلك الوثائق، ولكنها ستنضم فى النهاية إلى تلك اللجان التى سبقتها لاستعادة الأموال المهربة، والتى استهلكت أطناناً من المكاتبات والتصريحات، ثم انتهى الأمر إلى العدم!

سيستغرق الأمر بعض الوقت فى النقاش والشجار فى مواقع التواصل وعلى صفحات الجرائد، وسيخرج علينا البعض بالصياح أننا بصدد التحرك لاسترداد حق الوطن، وربما استخدم البعض الفضيحة لتبرير قضايا الفساد الداخلية، أو حتى تبرير الفساد لنفسه، فلا أعتقد أن أحداً سيغيب عن ذهنه تلك الفضيحة وهو يكتب إقراره الضريبى هذا العام! والاستفادة الوحيدة التى سيجنيها العالم هذه المرة، أن الجميع سيؤمن أن الفاسدين ربما لا يبدون كما نتخيله دوماً!

فهم ليسوا كثيرين فحسب هذه المرة، إنهم العالم كله تقريباً!