بروفايل: إبراهيم أصلان.. الغلبان في خلوة أبدية

كتب: شريف حسين

بروفايل: إبراهيم أصلان.. الغلبان في خلوة أبدية

بروفايل: إبراهيم أصلان.. الغلبان في خلوة أبدية

تذكر قسمات وجهه جيدا، حتما قابلته في أحد شوارع إمبابة شاردا لا ينبس، أو يجلس على مقهى بالكيت كات ينفث دخان سجائره من فم يطل من فوقه شارب كث، يحتل مساحة لا بأس بها من الوجه، هو الشخص ذاته الذي يتسابق القراء إليه في معارض الكتاب بفرنسا وألمانيا لينالوا اسمه موقعا على عمل من أعماله، ظل يكتب ملاحظاته على الثورة في "الأهرام"، تحت عنوان "انطباعات صغيرة على حادث كبير"، ظل يكتب إلى أن انقطعت آخر الأنفاس بصدره، وأجبر الموت، قلمه على الانفلات من بين أصابعه القابضة عليه، والقابع بداخلها منذ سنوات طويلة مضت، مات في السابع من يناير من العام الماضي، ليخلد الغلبان في خلوته الأبدية. بارعٌ هو في الإغراق، في أدق التفاصيل الإنسانية لشخوصه، ومع إغراقه هذا، فإنه يقتصد الكلمات ولا يعرف الإسراف، ولا يهوى الزخرفة بلا فائدة، واقعي في أعماله، تكفي معرفتك بأن كاتب "وردية ليل" كان في الأصل عامل تلغراف بحي جاردن سيتي، وكاتب "مالك الحزين" هو ابن "الكيت كات" المكان الذي وقعت فيه الرواية، وكذلك الأشخاص والأناس البسطاء الذين تقابلهم يوميا، شديدي الصلة بالواقع المعاش، يكفى هذا لأن تتأكد من واقعية الرجل، والتي تتجلى أيضا في قولته "بدلا من أن نتحدث عن العدل، علينا أن نجعل الناس يعيشون في العدل، وقبل أن نتكلم عن الحرية علينا أن نجعل الناس يعيشون في حرية". كأي كاتب شاب يتحسس خطواته، كان يكتب ويبعث بكتاباته إلى مجلة "الثقافة" و"المجلة" وجريدة المساء وغيرها، المختلف حقا، هو ذلك الاحتفاء النقدي بهذا الشاب، حيث حازت أولى أعماله التي نشرها بـ"المجلة" التي كان يرأس تحريرها، الأديب الكبير الراحل يحيى حقي، إعجاب الكثيرين، في مقدمتهم حقي نفسه، والناقد شكري محمد عياد، وهو ما كان إيذانا بميلاد أديب كبير يدعى "إبراهيم أصلان". قارئ "خلوة الغلبان" يدرك قدرة الرجل على نسج التفاصيل بدقة، وروي الحكايا ببساطة وإمتاع في آن واحد، وعلى الرغم من ثراء مخزون الحكايات الشخصية التي رقدت بين دفتي الكتاب، إلا أنه لم يكن يعتبرها سيرة ذاتية على أي حال، "لا أريد كتابة تجربتي، لأنني لو أردت ذلك فسأكتب كثيرا جدا"، حيث امتلأت حياته كمعظم أبناء جيل الستينات من الأدباء، بالمشاعر المتناقضة الناتجة عن حراك كبير، شهدت البلد فيه ثورة الضباط الأحرار ومحاولتهم الاشتراكية مرورا بالنكسة والنصر، وعلى المستوى الشخصي فإن حياة أصلان كانت حافلة بالتجارب والأشخاص. له فلسفته الإبداعية "أنا أكتب كي أساعد الآخرين على فهم أنفسهم وقدرتهم على الحلم، فأنت لا تستطيع أن تقوم بتغيير واقع لم تشارك في وضع شروطه ولا يجب أن نحلم بدلاً من الآخرين، نحن نحاول إنارة الطريق بين القارئ وذاته، وهذا ما أفهمه عن العملية الإبداعية". أصلان، المولود بطنطا عام 1935، من أبرز جيل الستينات الذي قيل إنه "جيل بلا أساتذة"، وعلى الرغم من ذلك فإنه يعترف بأستاذية نجيب محفوظ ويوسف إدريس، كان يجلس في حضرة محفوظ في جلسته الأسبوعية بمقهى ريش، وكان يوسف إدريس بالنسبة له، هو المثال، وقِبلة القصة القصيرة. رصيده قليل نوعا ما، ثلاث مجموعات قصصية وثلاث روايات، وكتابات نثرية أخرى، لم يكن يخرج العمل من بين يديه بسهولة، خشية أن يكون أقل جودة من سابقية، لذا طارده الجميع بقولة "إنت مقل في كتاباتك"، فيما وصفه البعض، بأنه يمحو أكثر مما يكتب. فتش عن مواقف أصلان، هذا الذي رفض مقابلة مبارك في 2010 في القصر الرئاسي، حتى لا يشارك فيما اعتبره محاولة لتجميل الوجه القبيح للنظام، أولا يتم استقطابه إلى حظيرة مثقفي الدولة، هو أيضا صاحب الأزمة الشهيرة، التي تلت نشر رواية السوري حيدر حيدر "وليمة لأعشاب البحر" عن سلسلة آفاق عربية والتي كان مسؤولا عنها، حينما رفض الأزهر الرواية، واعتبر أن بها تطاولا على الدين الإسلامي، هنا رفض أصلان التنازل عن مبدئه، وفضَّل الاستقالة.