العقاد.. عبقرية الفكر وعفة اليد

تمر هذه الأيام الذكرى الثانية والخمسون على وفاة العقاد الذى ألف مائة كتاب وآلاف المقالات وخاض مئات المعارك الفكرية والأدبية انتصر فيها للحق والخير والجمال ودافع عن الإسلام والأوطان دفاعاً عظيماً.

العقاد كاتب الشرق الأول، وأعظم من أمسك بالقلم فى القرن العشرين، ولم يخضع لحاكم قط ولم يجامل مسئولاً فى الوقت الذى مدح فيه الموتى لأنه آمن بعبقريتهم، فكتب عن عبقرية عمر والصديق أبى بكر وعثمان وعلى وفاطمة الزهراء وعمرو بن العاص، وواجه بهم ما أراده المد الشيوعى الجارف وقتها من وضع أمثال «لينين وماركس وستالين» كنماذج لأمة العرب والمسلمين فأسقط نماذج الشيوعية المشوهة وحطمها.

فلما علا نجم هتلر واعتبره البعض مخلصاً من طغيان الإنجليز شن حملة ضارية عليه وعلى النازية حتى أهدر هتلر دمه ورصد جائزة لمن يأتى برأسه، فذهب إلى السودان، وهناك اقترب من أهلها وأصبح من أقرب المفكرين والكتّاب المصريين إلى السودانيين.

فالعقاد لا يكل ولا يمل، وكلما خرج من معركة فكرية دخل فى أخرى، فقد واجه الملك فؤاد الذى أراد تغيير فقرتين فقط فى الدستور وهما «الأمة هى مصدر السلطات»، والأخرى «الوزارة مسئولة أمام البرلمان»، فصاح مهدداً له فى البرلمان «إن الأمة على استعداد لسحق أكبر رأس يخون الدستور» فسجنه فؤاد.

ورغم كراهية العقاد لفؤاد وفاروق فإنه لم يحب عبدالناصر ولم يخضع له حتى إنه عندما تسلم جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1959 قال للصحفيين: «إنه شعور بالامتنان، فهذه الجائزة أخذتها من الشعب على يد الحكومة».

يقول العقاد: «لى أصدقاء وأعداء بحمد الله، لقد حاربت الطغيان والفوضى، ومذاهب الهدم والبغضاء، والتبشير، وحاربت التقليد الأعمى والدجل المريب باسم الدين، والجمود والرجعية، والأحزاب والملوك، وهتلر ونابليون والمستعمرين، والصهيونية، وأعداء الأدب القديم، لقد حاربت هؤلاء جميعاً، فالتقى على محاربتى أناس من هؤلاء وهؤلاء، صهيونى إلى جوار نازى، أو فوضوى إلى جوار رجعى إلى ملحد، إلى جانب حامل اللحية المزيفة باسم الدين إلى جانب الماركسى من اليسار والمبشر من اليمين.. فحمداً لله أن أرسل علىّ هذه السيوف المشرعة من كل جانب لكنه أسبغ علىّ الدروع التى تتكسر عليها تلك السيوف، فقال رب الجنود: أنت قدهم وقدود». فالعقاد الذى رفض مدح الملوك والحكام يكتب يمدح غاندى والأم تريزا، ويرفض أن يهادن الشيوعية وهى فى عنفوان قوتها، أو يسكت عن النازية وهتلر والألمان فى العلمين، ويأبى أن يجامل الحكام وقصورهم والأحزاب أو الرأسمالية الجشعين وهو لا يجد قوت يومه.

فقد مرت عليه أيام لا يجد ما ينفقه، ولعل الخطاب الذى بعثه لصديقه «لطفى جمعة» قائلاً: «ساعدنى، فإنى لا أجد قوت يومى»، يُعد نموذجاً على هوان الفكر والمفكرين فى بلادنا ونقطة سوداء فى حياتنا الأدبية، ولو سخّر العقاد قلمه لمدح الحكام وسدنتهم لعاش يتقلب فى النعيم.

ومنذ هذا الزمن والإنسان والعلم والفكر فى بلادنا أرخص بضاعة، وهى الوحيدة التى ينخفض ثمنها مع ارتفاع الأسعار الجنونى.

إنك لن تعرف عبقرية العقاد إلا إذا تأملت قولته «أعرف أننى أكره الهزيمة فى كل مجال ولكن يشهد الله أننى أعاف النصر إذا رأيت أمامى ذل المنهزم وانكسار المستسلم، ولولا أن هزيمتى أبغض إلىّ من هزيمة خصمى لأبغضت النصر الذى يفضى لا محالة إلى انهزام واستسلام».

وقولته «لقد علمتنى تجارب الحياة أن الناس تغيظهم المزايا التى ينفرد بها غيرهم ولا تغيظهم النقائص التى تعيبنا ويكرهون منا ما يصغرهم لا ما يصغرك، وقد يرضيهم النقص الذى فيك لأنه يكبرهم فى رأى أنفسهم ولكنهم يسخطون على مزاياك لأنها تصغرهم أو تغطى على مزاياهم».

ورغم اعتداده بنفسه فإنه كان رحيماً، فقد رأى فى سجنه جلاداً يهوى بسوطه على ظهر سجين حتى أدماه، فظل يبكى ولا يستطيع النوم أياماً ثم مرض على أثر ذلك فترة.

وكان العقاد صاحب عزمات لا مثيل لها تلمسها فى كلماته: «اليوم الجميل هو الذى نملك فيه دنيانا ولا تملكنا، ونقود فيه شهواتنا ولذاتنا ولا ننقاد لها صاغرين، جميل ذلك اليوم الذى ترددت فيه بين ثناء الناس وبين عمل لا يثنى عليه أحد، فألقيت بالثناء عن ظهرى وارتضيت العمل الذى أذكره ما حييت ولم يسمع به إنسان، جميل ذلك اليوم الذى يحشو جيوبى بالمال ويفرغ ضميرى من الكرامة فأوثر فيه فراغ اليدين على فراغ الضمير».

سلام على العقاد الذى مدح الأنبياء فكتب عن إبراهيم ومحمد وعيسى ولم يمهله القدر ليكتب عن الكليم موسى عليهم السلام، سلام عليه فقد أحيا ذكر الصحابة العظام فى وقت أراد البعض تجاهلهم ونسيان الأمة لهم.

سلام عليه فقد كان أول مسلم يكتب كتاباً عن المسيح عليه السلام.

سلام عليه فهو أقوى من واجه الاحتلال والاستعمار والفساد والاستبداد والنازية والشيوعية، ولذلك لا يكاد يذكره معظم المثقفين الذين يحنّون إلى أصولهم القديمة التى وأدها الزمان فى كل مكان، سلام عليك فى الخالدين بما نافحت عن الدين.