مرضى ضمور العضلات.. «أحياء» لكن فى انتظار «الموت الرحيم»

كتب: فاطمة مرزوق

مرضى ضمور العضلات.. «أحياء» لكن فى انتظار «الموت الرحيم»

مرضى ضمور العضلات.. «أحياء» لكن فى انتظار «الموت الرحيم»

حياة بائسة يضع الموت نهايتها، محاولات عديدة لا تتوقف أملاً فى التحرر من مرض نجح فى الفتك بأجسادهم ووضع لهم حتمية موت مبكر، ضمور العضلات الذى تحول بمرور الوقت إلى شبح موت يخيم على كثيرين ليسجل لهم شهادة وفاة فى ريعان شبابهم، فتتحطم أحلامهم ويجبرون على واقع مؤلم لا مفر منه، ليخرجوا من فضاء شاسع يملأه المرح إلى سجن أبدى يسمى «الكرسى المتحرك»، فتفرض عليهم قيود تحول بين كافة حقوقهم، ورغم ذلك يأبون رفع راية الاستسلام.

{long_qoute_1}

معاناة شديدة تكبدها «محمد سيد» القاطن بـ«الزاوية الحمرا» على عاتقه بعد بلوغه الـ13 عاماً، بدأت بحرمانه من استكمال رياضة السباحة التى شغف بها: «كنت متفوق فيها وخدت بطولات كتيرة لكن عضمى بدأ يضعف وبقيت أمشى وأقع كتير لحد ما تركت السباحة، والدى كشف عليا واتصدم لما عرف أن عندى ضمور فى العضلات»، رغم تدهور حالته الصحية، فإن الشاب العشرينى أصر على الالتحاق بالثانوية العامة، لكن المرض نجح فى تدميره وصار عاجزاً عن الحركة: «والدى صرف اللى وراه واللى قدامه، دكاترة وعلاج، والمرض تمكن منى والعلاج الطبيعى مش نافع، سِبت الثانوية العامة علشان سقطت وقدمت صنايع، بعد ما المرض مسك فيا، لقيت صحابى فى الجامعة وأنا لأ لما جالى عقدة من الحياة».

بدت الأيام حالكة السواد، وفق قوله بعد أن أصيبت شقيقته صاحبة الـ40 عاماً فى حادث تسبب لها بكسر فى الحوض والمفصل، واتضح بعد الحادث إصابتها بضمور العضلات مما تسبب فى وفاتها: «ماتت من شهرين بسبب الدكاترة لأنهم مايعرفوش ضمور العضلات وعندهم جهل، مرضنا عامل زى الحديد لو سبته هيصدى، إحنا نفس الكلام عدم العلاج بيخلى المرض ياكل فى كل جسمنا، أبويا اتصدم بمرضنا مع بعض، كان نفسه يفرح بينا، وأخويا التانى عنده 38 سنة وخايف يتجوز علشان المرض مايظهرش فى عياله، إحنا فى العشرينات بنبقى زى اللى عندهم 60 سنة، بنموت بالبطىء مخنوقين من قلة الأكسجين، عندنا رعب من المواصلات ونفسيتنا اتدمرت، إحنا عملنا اللى علينا والدولة مش بتساعدنا».

ويضيف: «أختى لما كانت عايشة ماكانش فارق معايا كنت زى ابنها، كانت تقول لى مش مهم إننا اتصابنا المهم إننا قاعدين مع أهالينا، كانت تستنانى لحد ما أرجع الفجر، كانت بتقوينى ومخليانى متمسك بالحياة لكن كل حاجة راحت معاها، نفسى فى حق أختى اللى ماتت والأطفال اللى بتتولد بالمرض، لما أختى كانت عايشة ماكنتش بعانى وماحستش بالتعب غير لما توفيت، بدا الأمر أكثر مأسوية لدىّ».

{long_qoute_2}

محمد عبدالمحسن، القاطن بقرية «سقارة» مركز البدرشين بالجيزة، ولد ضريراً وعندما بلغ الـ13 عاماً، أصابه ضمور العضلات ليصبح بدل العبء اثنين، يؤكد الشاب العشرينى أنه نجح فى التكيف مع الظلام الدامس الذى لم يعرف سواه، لكنه لم يحتمل يوماً التزامه الكرسى المتحرك الذى وصفه بـ«السجن»: «المسئولون لا يهتمون، لا يسمعون، لا يستجيبون، أنا أعانى أشد المعاناة، أختى كفيفة، أنا عايش مع والدتى وأختى الكفيفة، وهى اللى تحملت أقسى الظروف، الأول كنت أتمتع بصحة جيدة، وبعدها بقيت أسند بإيدى على الحيطة، كل ما أتقدم فى السن حالتى بتدهور، التأمين الصحى كان سبب فى سوء حالتى، والدكاترة ماكانوش عارفين يشخصونى»، خيبة أمل مؤلمة كانت فى انتظار «محمد» بعد أن تردد على أكثر من طبيب، ليجتمعوا على تلك الجملة التى فطرت قلبه ومزقت جسده «مالكش علاج وهتفضل مريض كده طول عمرك»، لم تتوقف محاولات الشاب العشرينى فى العلاج على أمل الشفاء ذات يوم، ويضيف: «مش عارف أشتكى مين، أنا بوجه نداء عاجل لرئيس الجمهورية وللعالم كله وللأطباء والإعلاميين، إحنا مالناش حد بعد ربنا غير المسئولين، خدت الثانوية الأزهرية وبعدها بدأت أتعالج على حسابى وبعدها فلوسى خلصت وماقدرتش أكمل علاج».

يصف «محمد» حاله بالمسجون الذى ترافقه الجدران ولا يعلم عن الحياة شيئاً، ويؤكد أن ضمور العضلات دمر حياته وجعل حياته أكثر شقاء: «مش عارف أتعامل مع العالم اللى حواليا، الأول كنت باتحرك وباعيش حياتى والنظر ماكانش مقصر معايا، لكن المرض دمر حياتى، حياتى عبارة عن إنى نايم أو قاعد، أصحاب الوسايط اللى بيهتموا بيهم لكن إحنا تحت الجزمة، لازم يشوفوا الدول بتعامل المعاقين إزاى، والدتى تعبت وجالها الغضروف ومش قادرة تتحملنى، أنا عاوز أتجوز وأعيش حياة طبيعية، عاوز يبقى ليا أسرة وبيت وكيان، ظروفى المادية معجزانى وبدور على متبرع ليا وكمان مفيش مراكز طبية، ووقفت العلاج علشان مفيش نتيجة ومفيش فلوس».

{long_qoute_3}

تضاعفت معاناة «أحمد كمال» الذى يعانى من الضمور فى جميع أنحاء جسده، بدأ رحلته مع المرض وعمره 10 أعوام، تدهور حالته كانت سبباً فى حرمانه من التعليم كى لا يحمل أسرته عبء العلاج والتعليم معاً: «الموضوع بالنسبة لى ماكانش إحباط ولا تحطيم لنفسيتى كنت قوى جداً ومثابر، بس الصعوبة كانت فى الخروج لو حبيت أعمل أى مشوار، كانت بتكون فيه صعوبة، كنت بروح نادى مع أصحابى أتفسح، وحالياً بخرج كل سنة مرة، طورت مهاراتى واتعلمت فى السوشيال ميديا، وحاربت المرض»، أصيبت شقيقة الشاب الثلاثينى بنفس المرض وتوفيت منذ عامين ليعلن شقيقها حالة حداد أبدية: «ماتت وعندها 36 سنة، كانت أحسن منى والمرض كانت نسبته قليلة عندها وكانت بتخرج وعايشة حياتها، الدكاترة ماكانوش عارفين يشخصوها قالوا علاج طبيعى، عملنا إحنا الاتنين علاج طبيعى لغاية آخر جنيه فى جيبى، كنت محوش مبلغ وصرفته كله على العلاج الطبيعى، الدكتور قال لى وفر فلوسك مفيش نتيجة هتيجى».

صار الحزن الرفيق الدائم للشاب الثلاثينى بعد أن رحلت شقيقته التى كانت تخفف عنه معاناته، وتعلم بما يخفيه فى قرارة نفسه: «جالها دور برد شديد ونفسها اتكتم من البلغم والعلاج ماجابش نتيجة، حياتى اتقلبت بعدها، كنا قريبين من بعض أوى، أى كلمة كانت بتدبحنا من أى حد، كنا نصبر بعض ونهون على بعض، بابا مات وهى بعده بـ8 شهور، بادعى ربنا أنى أموت، المسئولين والدنيا كلها مش حاسين بالمعاناة اللى إحنا فيها»، ويضيف: «قبل ما بابا يتوفى كان هو اللى بيساعدنى وأمى الحمل بقى صعب عليها، أنا عارف إنى هموت واللى بيعدى الـ30 سنة بالمرض ده حاجة نادرة، الموت بالنسبة لى طوق نجاة»، تمنى «أحمد» الالتحاق بكلية «التجارة» لكنه اصطدم بواقع حرمه من تحقيق أحلامه: «كان نفسى أعيش حياة طبيعية، أنا عايش فى قوقعة، الإنسان السليم والمعافى عنده نعم مش حاسس بيها وإحنا محرومين منها ومش بنعرف ننام وبنتألم علشان نتقلب على جنب والتانى، الحمام معاناة صعبة جداً».

حالة من الرعب خيمت على منزل «شريفة» التى فتك ضمور العضلات بـ12 حالة من عائلتها من أعمار متفاوتة: «أنا عندى الضمور وابنى وولاد أعمامى، ده غير الأطفال اللى المرض لسه ماظهرش عندهم وخايفين نعمل التحاليل ليهم ونتصدم، جواز الأقارب اللى عمل كده، إحنا بنموت والمرض بيتكاثر وبيتفشى، ولازم نمنع جواز الأقارب، ومفيش إحصائيات للمرض، أنا بتتعبنى نظرة المجتمع ليا، وده بيقتلنى لأنهم بيبصولى إنى عاجزة، أنا عاجزة عن الحركة لكن مش عاجزة فكرياً، اتعالجت علاج طبيعى ورحت لدكاترة وصرفت كتير، وكنت بطلع بالروشتة فاضية، وتعرضنا للنصب من الدجالين، اتعالجت بالأعشاب واتحسنت عليها لكن ماقدرتش أكمل علشان الماديات»، وتضيف المرأة الأربعينية: «أنا مريضة من وأنا عندى 17 سنة، بس النوع اللى عندى مش صعب الحمد لله بس حركتى بطيئة ولازم أسند على الحيطة، مش عاوزة حد يحبط ولا اللى فى الفراش يتمنى الموت».


مواضيع متعلقة