العربجى والخواجة
بالرغم من أن الخديوى إسماعيل أعطى للدول الأجنبية أكثر مما كانوا يحلمون به، مثل بيع حصة مصر فى قناة السويس لهم، وتدخلهم المباشر فى شئون البلاد بحجة تحصيل الديون المستحقة على مصر لهم، التى وصلت لأوجها فى عهد إسماعيل وبلغت أكثر من 126 مليون جنيه وفى هذه الفترة كان هناك أكثر من 100 ألف أجنبى داخل البلاد يتمتعون بنفوذ وحقوق وامتيازات لم يحصل على مثلها أى مصرى آنذاك.
ورغم كل هذا لم ترض الدول الأجنبية وقرروا عزل الخديوى إسماعيل وقاموا بتعيين ابنه توفيق خديوى للبلاد خلفاً منه.. ترى ما الذى قدمه توفيق حتى يجعلونه حاكماً للبلاد؟!
فى عام 1882 وتحديداً فى مدينة الإسكندرية كان هناك سائق عربة حنطور «عربجى» يدعى «سيد العجان» كان يقوم بتوصيل أحد رعايا الإنجليز وكان من مالطة، واشتبك العربجى مع الخواجة على قيمة أجرة التوصيل، حتى وصل الأمر إلا أن الخواجة المالطى قام بطعن العربجى بالسكين حتى أرداه قتيلاً، وعلى أثر ذلك حدثت فتنة كبرى فى الإسكندرية أو بالأحرى مذبحة، وحدثت فوضى عارمة من المصريين الذين شعروا بالمهانة بسبب النفوذ القوى الذى يحظى به الأجانب فى مصر، فثاروا على كل الجاليات الأجنبية الموجودة بالمدينة وقتل منهم 39 شخصاً ومن المصريين حوالى 11 وأصيب أكثر من 70 شخصاً من الطرفين، واستغل الأسطول الإنجليزى هذه الواقعة وتدخل بحجة حماية الأقليات من بطش المصريين فقاموا بإطلاق قذائفهم على الإسكندرية ثم دخلوا إليها واحتلوها.
وأثبت التاريخ أن هذه الواقعة كانت مدبرة ومفتعلة وكانت بالتنسيق بينهم وبين الخديوى توفيق لاستقدام الإنجليز لاحتلال مصر، وبعد هزيمة أحمد عرابى فى موقعة التل الكبير من الإنجليز عاد الخديوى توفيق إلى القاهرة فى حماية الجيش الإنجليزى.. وبعد ذلك أصدر توفيق أوامره بنفى عرابى خارج البلاد وحل الجيش المصرى وأعاد هيكلته من جديد وقام بتسليم إدارة البلاد للإنجليز على أن يكون حاكماً شكلياً يستمد شرعيته من قوة مدفع الإنجليز.. وأصبح الشعب المصرى ناقماً على الخديوى توفيق بسبب قيامه ببيع مصر لصالح الاستعمار الذى استمر من 1882 حتى توقيع اتفاقية الجلاء فى عام 1954 كل هذا حدث نتيجة مشاجرة تم من خلالها إحداث فوضى عارمة بالبلاد أدت بنا إلى تبعية مطلقة للغرب، وما زلنا نسدد فاتورتها حتى الآن..
على ما يبدو أن الخديوى إسماعيل رفض هذه الصفقة التى وافق عليها ابنه فقاموا بعزله وباع توفيق مصر كلها..
واليوم كلما رأيت مشاهد الفوضى التى تسيطر على الشارع المصرى تارة فى المحلة وأخرى فى الإسكندرية، تذكرت على الفور حادثة العربجى والخواجة.. وما أشبه اليوم بالبارحة.