مصر الغضبانة بين غضبين: غضب الرئيس وغضب الشعب

مجدى علام

مجدى علام

كاتب صحفي

من الواضح أن «السيسى» يفتقد حائط صد سياسياً يتلقى الطعنات والانتقادات، بدلاً منه سواء فى الحكومة أو البرلمان أو الكيان السياسى بحجم الجنزورى فى الحكومة، وسرور فى البرلمان، والشاذلى فى الحزب، فقد أصبح مثل حارس مرمى ماهر بلا لاعبين أمامه، فيتلقى كل الركلات وحده.

وقد جاء خطاب الرئيس السيسى الأخير كاشفاً للعديد من الملامح الحاكمة لفكر الرئيس السيسى، ولعل أهم هذه الملامح التى برزت بقوة فى هذا الخطاب -أن غضب الرئيس، حين غضب، قد خرج بعفوية وشدة وعنف لم يتوقعها أحد من مؤيدى الرئيس بهذا الحجم، وهذا الشكل- أن الرئيس سرد بعض الأسباب غير المعلنة لهذا الغضب، منها إشارته إلى معلومات حول المؤامرة المخططة، (والمعلومة للكافة)، والمستمرة على مصر لتقويض الدولة، التى جاء خصيصاً «السيسى» لوقف هذه المؤامرة (ولم يكن هذا شيئاً جديداً على الشعب)

إذاً ما الذى جد حتى يبدو أن الرئيس لديه جديد لم يعلنه، وأن الجديد فى المؤامرة يبدو أنها من الخارج المحيط قريباً، وفى الداخل الحاضن للنظام السياسى والملتصق به، وهو ما نستطيع أن نفسر به هذا الغضب العارم للرئيس وعنف كلامه (اللى هيقرب منها هشيله من على الأرض)، ويبدو أن أحد عوامل غضب الداخل لدى الرئيس إحساس خانق وصل لدرجة عرض نفسه للبيع، ووصل لدرجة ندائه «صبّحوا على مصر ولو بجنيه» الأمر الذى رد عليه المصريون فوراً بصباح الفل ياريس بـ4٫5 مليون جنيه، ولعلّى أنا شخصياً مثل كثيرين لم أكن أعلم خاصية الدفع عن طريق رسالة التليفون ومن المؤكد أن كثيرين مثلى سارعوا بذلك.

هل تيقن الرئيس أن الشعب غاضب.

وفى تصورى أن غضب الرئيس السيسى سره الوحيد والأوحد أنه شخصياً لمس غضب الشعب، وأنه لم يكن محتاجاً للتأكد من هذا الغضب الشعبى، الذى ضرب الشعب كله من قمة المثقفين (الأطباء)، وفى قاع المجتمع سائقى التوك توك فى الدرب الأحمر، وبينهم سلطة باتت مستهترة، أو على الأقل غير مسيطرة هى سلطة أمناء الشرطة، ولعلى هنا أصدق الكاتب عبدالله السناوى بأن الرئيس لم ينم ليلة هذا الخطاب، وأتفق من ناحية أخرى مع الكاتب د. محمود خليل فى أن ألفاظاً رئاسية تحتاج للضبط، وانفعالاً رئاسياً يحتاج للربط بالتعبير العسكرى، فحديثه عن تحلية المياه فى ظل أزمة سد النهضة تم تأويله خطأ، وحديثه عن بيع الرئيس لروحه ونفسه (وهو الذى وضع روحه على كفه فى يونيو) حرفته بعض وسائل الإعلام بالاستهجان، لكن الأخطر والخطير ما جاء على لسان الرئيس «بتتصارعوا على إيه»، ثم «ما تسمعوش كلام حد غيرى». لقد وقف كثيرون، وأنا منهم، متسمراً أمام الجملتين، فمن المؤكد أن الرئيس لا يقصد أنه لا يوجد أحد فى مصر -مثلاً يعرف الحكومة قبله، فكثيرون يعرفون هؤلاء الوزراء، بعضهم ليسوا على مستوى مواقعهم- قبل الرئيس ويعرفونهم، وهم فى مجالاتهم، لم يكونوا يوماً نجوماً متميزين ولا مديرين أكفاء، وقد جاء بعضهم بالمصادفة الغريبة والعجيبة، وكثير منهم حكم عليهم الشعب من أدائهم فلن يستطيع الرئيس أن يبقى على وزير الصحة ونقابته ترفضه، ولن يستطيع الإبقاء على وزير البيئة، وهو كاره للبيئة، محب للتلوث وكل خبراء البيئة لفظوه وابتعدوا عنه، وها هو أصبح وزير التماسيح والفحم والبائع الأول للمحميات الطبيعية، فكيف يبقى.

وهناك وزير التعليم، الذى لم يرَ له الشعب لا علامة ولا شامة فى التعليم، سوف يخرج كما جاء بلا بصمة، ووزير الزراعة رجل صامت عن الكلام وعن الفعل، وهو مجرد محولجى أوراق مما جعل الرئيس يشكل لجنة لاسترداد أراضى الدولة الزراعية بعد فشله فى ذلك، وكذلك وزير الاستثمار، الذى يبدو أن إقالته تمت بالفعل، أما د. أشرف العربى، فقد دافع الرئيس عن قانون الخدمة المدنية، وهو يعلم أنه يزيد من غضب 7٫5 مليون موظف حكومى يشعرون بأنهم الفئة الوحيدة التى تتحكم فيها الدولة فى ضرائبها وتأميناتها ومرتباتها، ولا تساندهم ضد غلو الأسعار، فهل جاء الوقت ليكتفى أشرف العربى بخروج 150 ألف موظف سنوياً على المعاش على 10 سنوات، أى مليون ونصف المليون، ويجرى توظيف عمال الأمن والخدمات (مليون ونصف المليون عامل) فى شركة خدمات حكومية ولكن خارج موازنة الحكومة، ولا تتبع الوزارات، فكل السائقين وكل الأمن وكل الفنيين يخدمون كل الوزارات حتى نقضى على ظاهرة تنابلة السلطان فى الجهاز الحكومى.

ووزير الصناعة والتجارة، وهو مدير شركة كوكا كولا، لم نرَ له إنجازاً أو عملاً ملموساً.

ويبقى أداء المحافظين، فلا تشعر فيهم سوى بـ«د. جلال السعيد»، الذى حقق نقله نوعية فى القاهرة، ثم محافظ البحر الأحمر أحمد عبدالله، الذى يجوب شوارع المحافظة، وبينهم حوالى عشرة محافظين متوسطى الأداء، والباقى يجب أن يذهبوا لأقرب استراحة، فهم إما أقل من الموقع أو أكبر منه، وفى الحالتين فالشعب غاضب عليهم.

وبكل صراحة، فإننى أتذكر قول د. يوسف والى، حينما طالبه البعض بالرد على هجوم الإعلام على كمال الشاذلى، فرد بتلقائية «أمال عايزينهم يشتموا الرئيس»، وهكذا فإن الرئيس يفتقد كمال الجنزورى فى الحكومة، وكمال الشاذلى فى الحزب، وفتحى سرور فى البرلمان، أى إلى حائط صد سياسى يتحمل النقد قبل أن يتحمله الرئيس.

إذاً، أنت أمام شعب يحب رئيسه، وغاضب من حكومته، ومن محافظيه، فإذا بالرئيس يعاتب الشعب على الغضب، فيرد الشعب بتحيته 4٫5 مليون جنيه صباح الفل على الرئيس مباشرة، ولكن الشعب يقول للرئيس أنا غضبان مثلك، لكن لست غضبان منك فغضبى من ممثلى الشعب، الذين انشغلوا بمعاركهم ومقاعدهم وقنواتهم، وحكومة لا يوجد فيها سياسى واحد يستطيع أن يخاطب الرأى العام، بل إن رئيس الحكومة يقول له إحنا مقبلين على إجراءات مؤلمة أكثر من ذلك. يا دولة رئيس الوزراء، الشعب غضبان يا سيادة الرئيس، لأن من حولك برلمان يجهل دور البرلمان، وحكومة ليست على مستوى تطلعات الشعب، وتحالف سياسى لا هو حزب وطنى قادر على السيطرة ولا تحالف ديمقراطى يضيف إيجابيته لنظام السيسى.

نعم، لك إنجازك فى الكهرباء وفى المشروعات القومية، وفى رغيف الخبز، لكن الشعب تحمل عشر سنوات منذ عام 2005، وحتى عام 2015، وهو ينتظر الفرج الذى لا يأتى، فلا تغضب من الشعب، فأنت القائل إن الشعب المصرى يحتاج لمن يحنو عليه.

والشعب يقول لك إحنا مستحملين ومكملين، بس شوف مين اللى مزعلنا منك، لكننا نحن لا نزعل منك.

مع خالص تحياتى..

* أمين عام مؤسسة السياسيين العرب