الإنجاز السورى!

ينشغل العالم فى تلك الأثناء بالذات بالأزمة السورية، خصوصاً مع تفاقم أوضاع المحاصرين بالجوع فى «مضايا»، وتتصدر أخبار سوريا النشرات فى الصحف والفضائيات المختلفة، وتتعلق الأنظار بمشاهد القصف والذبح والحصار الآتية من هناك، ويحبس الجميع أنفاسهم فيما يتابعون محاولات الوصول إلى حل سياسى يمكن أن ينهى تلك الأزمة العصيبة.

يتعامل الإعلام مع الأزمة السورية مركزاً على الأخبار المهمة، والمجاميع، والمدن، والحكومة والمعارضة، والحصار والتجويع، وأرقام الضحايا واللاجئين والمشردين، لكن أحداً لم يعط الاهتمام الواجب لشخصية الإنسان السورى الفرد.

سعى كثيرون إلى تحليل شخصية الإنسان السورى الفرد منذ قرون؛ وهو السعى الذى اصطدم للأسف بمواريث عقود الاستبداد التى عاشها السوريون أخيراً، وأثرت سلباً فى صورتهم.

وفى هذا التحليل تمت الإشارة إلى جوانب إيجابية عديدة فى الشخصية السورية، كما تم تسليط الضوء على الكثير من السلبيات، قبل أن تضرب سوريا تلك الأزمة الكبيرة الراهنة.

من جانبى سأزعم أن الأزمة التى ضربت سوريا، وحمّلت إنسانها ما ينوء به أكثر أصناف البشر مجالدة واحتمالاً، خلقت مناقب جديدة فى هذا الشعب القديم.

سيحتاج إثبات هذا الزعم حججاً وأسانيد ذات اعتبار؛ مثل إجراء البحوث المعمقة، أو إعداد الاستبيانات، أو عمليات الرصد والملاحظة المقننة. لكن ثمة قرائن وإشارات تبدو كافية الآن لكى تكسب تلك الخلاصة قدراً معتبراً من الوجاهة.

لا تجد سوريا فى مجموعها العام الآن ما يمكن أن تلهم به العالم، بل على العكس تماماً؛ فإن أثمان الاستبداد فادحة، وطريق الثورة غائم ووعر، والتدخل الخارجى على أشده، و«داعش» تتكفل بجعل اسم البلد مرادفاً لـ«الرعب» نفسه، والفصائل تتناحر ولا تظهر حداً أدنى لائقاً من التوافق، وآلة القوة الناعمة توقفت تماماً، أو تكاد، عن العمل والتأثير.

ومع ذلك، فثمة إنجاز سورى حقيقى يبدو واقعاً لا يمكن دحضه.

إنه إنجاز الشخص السورى الفرد.

سيظهر الإنجاز فى درجة التماسك الأخلاقى اللافتة التى تميز شخصية الفرد السورى خارج بلاده أو داخلها، وهو تماسك يبقيه، تحت كل تلك الظروف الصعبة، بمنأى عن التورط فى الانحلال أو الفوضى الأخلاقية أو ارتكاب الجرائم المشينة مقارنة بالآخرين.

سيمكن لأى منا أن يرصد تورطاً أو انهياراً أخلاقياً هنا أو هناك، لكن أحداً لا يملك البراهين التى يمكن أن يقنعنا بها أن تلك الكوارث والفواجع الهائلة أدت إلى انحراف أخلاقى واضح فى الشخص السورى الفرد، الذى حافظ على درجة من الامتثال والضبط الاجتماعى مذهلة.

يُظهر السورى الفرد قدراً لافتاً للانتباه، وجديراً بالاحترام، من التكافل فى تلك الأيام الصعبة، وتبدو التضحيات الكبيرة والصغيرة وافرة، سواء فيما يتعلق بتقاسم الطعام أو الوقود أو الأموال الشحيحة، أو فى استضافة من نزحوا وشردوا أو انهارت منازلهم أو تمت مصادرتها.

ورغم الضغوط الكبيرة التى يعانيها النازحون واللاجئون والمهاجرون فى المجتمعات التى يعيشون فيها، فإن قدراً معتبراً من هؤلاء لم يستسلم لصفة «لاجئ»، ولكنه راح يبحث بدأب عن عمل أو دراسة، أو شارك بإيثار فى جهود الإغاثة وتعزيز الثورة.

تشير مشاهد وحكايات الداخل إلى درجة كبيرة من القدرة على تحمل الأذى، والعيش فى الظروف الصعبة، ومواجهة احتمالات الموت والخطر، وتحدى القصف والاستهداف، والانتصار لقيمة الحياة فى سياق مفعم بالموت. تكشف مشاهد إنقاذ ضحايا القصف، أو جمع أشلائهم، وإزالة آثار المعارك، وإيواء المشردين، وعلاج الجرحى صوراً من المناقب الجديدة.

إن قدراً كبيراً من قدرة سورى الداخل على البقاء والاحتمال يرجع إلى «نزعة الابتكار واجتراح الحلول المبدعة»، وهى ذاتها النزعة التى وفرت لسورى الخارج فرص العمل والعيش من دون حماية أو إمكانيات فى معظم الأحيان. لقد فعل الإنسان الفرد السورى كل هذا لكى يبقى متماسكاً وصامداً تحت أسوأ الظروف التى يمكن أن يعرفها بشر. وهذا الصمود والتماسك الأخلاقى سيكون لاحقاً عنوان الإنجاز السورى.