كرسى فى الكلوب!!

محمود عمارة

محمود عمارة

كاتب صحفي

بمجرد أن رأى الناس على الشاشات، رئيس الدولة وسط المساحات الخضراء، كبداية لمشروع «المليون ونُص» فدان.. انشرحت قلوبهم بعد أن تبدّل اللون الأصفر الصحراوى الكئيب، بلون السجاجيد الخضراء!!

فى الوقت نفسه، تلقيت نهراً من الاتصالات.. بدءاً من د. صبرى الشبراوى، والفنان محمود عبدالعزيز، ود. إبراهيم فوزى، واللواء فؤاد علام، وعشرات من مصريين بالخارج والداخل، كلهم باحثون عن الاطمئنان ويرغبون فى سماع رأيى.. خاصة أننى أعلنت موقفى الذى كان ثابتاً وواضحاً وعلى الملأ!!

ومُلخصه: أننا مع زراعة «إنشالله» عشرة مليون فدان، إذا كنا نملك مياهاً جوفية متجدّدة وغير ناضبة، وهذا من اختصاص علماء الرى وحدهم!!

اعتراضى على: عدم وجود دراسة جدوى اقتصادية.. تقول: حنصرف كام على الفدان، وهنجيب كام طن، وهنبيعهم بكام؟ وهنخسر أو نكسب كام؟

ليه؟

لأنه ليس معقولاً أن «الشباب» يستدين ويوقّع على شيكات عشان يشترى الفدان بخمسين ألف جنيه، ويكتشف بعدها أن إحنا ضحكنا عليه، بأن «فدان القمح أو الشعير» بيخسر معاه من ألفين إلى 4 آلاف جنيه.. ونرجع نقول ادعم يا صندوق تحيا مصر، أو البنوك تسجنه!!

والدليل: أن فلاح الدلتا والوادى، بيخسر فى القمح والدولة بتدعمه «رغم أن الميّه عنده تقريباً ببلاش»!!

والحل ببساطة: لو كنا عايزين نزرع قمح وشعير، والشباب يكسب صافى 2000 جنيه من الفدان، كنا رُحنا الساحل الشمالى، حيث كان هذا الساحل مزرعة للغلال أيام الرومان.. فهناك 2٫5 مليون فدان ممكن زراعتها بالقمح والشعير والفول والعدس على الأمطار مجاناً، ولا يحتاج القمح والشعير سوى ريّة تكميلية واحدة؟ ممكن عن طريق امتداد ترعة الحمام!!

أما أن نذهب إلى الوادى الجديد، ونُنفق كل هذه المليارات، ونستورد أحدث المعدات، ونستدين لحفر آبار عميقة.. لنزرع شعير 6500 فدان وقمح 1500 فدان.. فهذا هو: العبث والتبذير ويلزم «الحَجْر» على كل من أوحى إلى الرئيس بهذه الأفكار المدمّرة.. وكان علينا أن نتعلم من أعراب الصحراء، الذين «يبذرون تقاوى الشعير والقمح»، فى أراضى الساحل الشمالى، من الإسكندرية حتى العريش، فتهطل عليها الأمطار «مجاناً»، فتخضّر كل المساحات وينمو المحصول ويتم حصاده، والعائد 2000 جنيه «ولو كانت هناك بعض التقاوى المنتقاة تُنتج 25 أردباً بدل 16 حالياً، هيكسب خمسة آلاف من الفدان والدولة توفّر الدعم»!!

والحقيقة: كُنت أتصوّر أن نزرع كل سواحلنا الشمالية بمحاصيل استراتيجية، بتكاليف شبه مجانية، وبـ«تقاوى منتقاة» نعمل توسُّع رأسى.. وبعدها نذهب إلى الوادى الجديد حيث توجد مياه جوفية مُكلّفة، لنزرع نباتات طبية -زيوت عطرية- أو نزرع «التبغ» لأكبر شركة تصنيع «سجاير» فى العالم، «الشركة الشرقية للدخان» (التابعة للحكومة)، التى تحتل مساحة 300 فدان بالمنطقة الصناعية بـ6 أكتوبر، وتنتج سنوياً 90 مليار سيجارة، وللأسف تستورد دخانها من «تركيا - إيطاليا - الأردن - إسبانيا - الضفة الغربية...»، خاصة أنها نشرت الخميس الماضى «مناشدة للمسئولين».. على صفحات جريدة «الوفد» بضرورة توفير ما يقرب من مليار دولار سنوياً لاستيراد التبغ، وأنها إن لم تتوافر لها هذه الملايين من الدولارات، فسوف تحقق خسائر، ولن تدفع ضرائب، وسبق لهذه الشركة من كام شهر أن هدّدت بالذهاب إلى دولة أخرى تُنتج التبغ، تفادياً للخسائر، وقبل الإفلاس وتشريد العمال!!

وعند قراءة المناشدة، تذكّرت.. عندما أرسلت إلى السيد المشير حسين طنطاوى عام 2008، برسالة أطالبه بأن نزرع التبغ (أو نمنع استيراد الدخان).. وتحت عنوان: «لا قمح بلا دخان».. كتبت عام 2008 مُتسائلاً: لماذا يزرع الجيش مانجو ولا يزرع التبغ؟.. فالمانجو هتكسب كام فدان؟ أما الدخان، ففى أربعة شهور، وبنُص مياه أى محصول يربح الفدان من 40 إلى 70 ألف جنيه، ويخلق 40 فُرصة عمل لكل فدان (زراعة وحصاد وتجفيف ونقل و..)!! هيطلع واحد مُتخلّف يقول لك: طيب ما نزرع مُخدّرات وهنكسب أكتر.. وواحد تانى يقول لك: هناك فتوى بأن التدخين حرام!!

والإجابة: مين قال: إن استيراد الدخان بمليار دولار حلال.. وزراعته حرام؟؟

فالعقل يقول: إمّا نمنع استيراده ونُغلق الشركة التى تنتج منه السجائر.. أو نزرعه ونُوفّر مليار دولار!.. ولمن يساوى بين المخدرات والسجائر (فلن أرد عليه)، حضراتكم اللى تردوا عليه!!

فى كلمتين: لازم نعرف «إحنا عايزين إيه؟».. والخبراء يقولوا لنا نعمل إيه!!

الخلاصة: لكل من سألنى ويريد الاطمئنان على مشروع المليون فدان.. أُطمئنهم بالتالى:

أولاً: الدولة بدأت تسمع وتحاور وأحياناً تستجيب.. والدليل: أنها تتحدث الآن عن نصف مليون فدان، وليس واحد ونصف، ولا أربعة ملايين.. ليه؟

لاقتناعهم بكلامنا (همّه اللى قالوا لى إنهم اقتنعوا) اقتنعوا باقتراحى، وهو: أن نُجرب فى المساحة التى حفروا بها آباراً باتنين ونُص مليار.. لنُقيّم التجربة.. والله لو لقينا مستثمرين يشتروا النصف مليون، ولدينا طلبات إضافية.. ووجدنا أن ما زرعناه من قمح وشعير سيحقق عائداً، يكفى الشباب أن يسددوا الأقساط ويتبقى لهم جزء من الأرباح.. فلا مانع من التوسّع فى الأربعة ملايين فدان.. أما إذا لم نجد مستثمرين راغبين فى شراء هذه المساحات، أو ليس هناك طلبات لمساحات جديدة.. والزراعات لم تحقق أرباحاً للشباب.. فيا دار ما دخلك شر.. والخسائر القريبة أحسن من المصايب البعيدة.. ونكتفى بهذا القدر.. ليه؟

لأننى تلقيت اتصالات من قيادات بأعلى المستويات للحوار هذا الثلاثاء، لنُناقش ونحاور و«ربما نُجادل»، للوصول إلى أفضل طريقة لاستغلال مشروع المليون فدان.. وكيفية استفادة الشباب أولاً، بجانب المستثمرين الجادين!! وحتماً سأوافيكم بالتفاصيل، ليطمئن الجميع على أن ما سنُنفقه من مليارات على هذا المشروع الكبير، سوف يُحقق أعلى عائد للوطن وللشباب وللمستثمرين، من الزراعة.. والتصنيع الزراعى.. والتسويق المحلى (من المنتجين إلى المستهلكين مباشرة)، ومن خدمات النقل والشحن والتصدير!!

ولهذا امتنعت عن الظهور على الشاشات، أو حتى المداخلات التى طلبت أن أُدلى برأيى يوم حضور الرئيس افتتاح باكورة المليون فدان.. حتى لا أكون من الذين يضربون «كرسى فى الكلوب» أثناء فرحة الاحتفال!!

ونستكمل الثلاثاء المقبل.