المحكمة الدستورية ومؤسسات الدولة.. تاريخ من الصدام

كتب: أحمد ربيع

المحكمة الدستورية ومؤسسات الدولة.. تاريخ من الصدام

المحكمة الدستورية ومؤسسات الدولة.. تاريخ من الصدام

تاريخ الصدام بين المحكمة الدستورية العليا ومؤسسات الدولة، لم يكن وليد نظام الحكم الحالى، وإنما له جذور بدأت منذ اللحظة الأولى لميلاد المحكمة الدستورية العليا فى 1969، حينما قرر رئيس الجمهورية العربية المتحدة جمال عبدالناصر إصدار قانون «المحكمة العليا».[Image_1] كانت تلك أول تجربة لإنشاء محكمة دستورية متخصصة يناط بها دون غيرها الرقابة على دستورية القوانين، وباشرت المحكمة مهمتها مدة تقترب من العشر سنوات حتى أنشأ السادات «المحكمة الدستورية العليا» فى 1979. ولا يمكن فهم قرار عبدالناصر دون ربطه بسياقه السياسى الأوسع، حيث تزامن اعتزام «الرئيس» إنشاء محكمة دستورية مع أكبر صدام شهدته مصر فى تاريخها بين السلطتين القضائية والتنفيذية فيما عرف بـ«مذبحة القضاة» (1969)، التى انتهت وقائعها إلى عزل أكثر من مائتى قاضٍ من بينهم رئيس محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى. جاء إنشاء «المحكمة العليا» فى سياق إعادة هيكلة شاملة للنظام القضائى، تهدف إلى بسط النظام سيطرته على القضاة، فمن ناحية أولى كان مطلوباً من «المحكمة» إعادة تفسير القوانين القديمة بحيث تساير متطلبات المجتمع الجديد، وهو بالضبط ما نصت عليه المذكرة الإيضاحية لإنشائها، حيث قالت: «أصبح واضحاً فى كثير من الحالات أن أحكام القضاء ليست قادرة على أن تساير مسيرة التطور التى حدثت فى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. ومن ناحية ثانية، فإن إنشاء محكمة دستورية كان منتظراً منه أن يضفى جانباً دستورياً «يساعد السلطة القائمة فى أخذ قراراتها دون الحديث عن عدم شرعية قانونية». فى عام 1986 وأثناء انعقاد مؤتمر العدالة الأول، طالب قضاة تيار الاستقلال وعلى رأسهم الراحل المستشار يحيى الرفاعى ووزير العدل الحالى أحمد مكى بإلغاء المحكمة الدستورية العليا، وجعلها دائرة تابعة لمحكمة النقض، لكن فشل المؤتمر فى تحقيق ما أوصى به، وربما هذا ما دفع المستشار أحمد مكى الآن إلى إعادة تنفيذها بعد أن أصبح عضواً فى السلطة.[Image_2] محاولات الاعتداء على المحكمة، برزت خلال العشر سنوات الأخيرة، عندما بدأ الرئيس السابق حسنى مبارك فى مخالفة الأعراف القضائية وتعيين رئيس للمحكمة من خارجها دون الالتزام بمعيار الأقدمية، فى محاولة منه للسيطرة على المحكمة، لكنه فشل. ناضل قضاة المحكمة من أجل تعديل قانونها وجعل تعيين رئيسها وأعضائها من خلال الجمعية العمومية للمحكمة، وأن قرار الرئيس ما هو إلا مجرد تصديق على ما تقره الجمعية العمومية، وبالفعل تحقق ذلك على يد المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وخلال العام الحالى دخلت المحكمة الدستورية العليا فى صدامات كثيرة مع مؤسسات الدولة، كان أولها مع مجلس الشعب السابق بعدما أعلنت رفضها إجراء تعديلات على قانون المحكمة الدستورية، وتم سحبه، حيث كان يقضى القانون بعزل الأعضاء الحاليين وإعادة تشكيل المحكمة وإلغاء رقابتها على القوانين التى يوافق عليها مجلس الشعب بأغلبية معينة، ومنح السلطة التشريعية حق وقف تنفيذ أى حكم تصدره المحكمة الدستورية العليا يترتب عليه حل مجلس الشعب. فى الرابع عشر من يونيو أصدرت المحكمة حكمها بحل مجلس الشعب، وبعدها بأيام رفض رئيس الجمهورية الدكتور محمد مرسى أداء اليمين الدستورية بعد فوزه أمام المحكمة، لرفضه الإعلان الدستورى المكمل الذى أصدره المجلس العسكرى وما تضمنه من تقييد لصلاحياته كرئيس للجمهورية، خاصة فيما يتعلق بسلطة التشريع التى استأثر بها المجلس العسكرى لنفسه.[Image_3] كانت المحاولة الأخيرة للاعتداء على المحكمة من قبَل الجمعية التأسيسية للدستور التى وضعت نصوصاً تتعلق بالمحكمة من شأنها المساس باستقلالها والنيل منها، وهو ما دعا الجمعية العمومية لقضاة المحكمة الدستورية العليا إلى الانعقاد بشكل طارئ، معلنة رفضها جميع النصوص التى تضمنتها مسودة الدستور التى وضعتها الجمعية التأسيسية. والآن تواجه المحكمة أزمة جديدة مع رئيس الجمهورية، ربما تؤدى إلى عزل أعضائها أو حلها، بعد تواتر أنباء عن إعداد اللجنة القانونية بحزب الحرية والعدالة لمشروع قانون لإعادة تشكيلها وعزل أعضائها لعرضه على رئيس الجمهورية، خاصة فى ظل مطالب جماعة الإخوان للدكتور محمد مرسى بحلها أثناء تأييدهم لقراراته الأخيرة أمام قصر الاتحادية. وقال المستشار محمد ماهر أبوالعينين نائب رئيس مجلس الدولة، إن إصدار رئيس الجمهورية قانوناً بإعادة تشكيل المحكمة الدستورية أو حلها سيؤدى إلى تعقيد الأوضاع الحالية أكثر، مرجحاً ألا يقدم الرئيس على تلك الخطوة لما ستمثله من تعدٍ على المحكمة. ويرى المستشار محمد حامد الجمل، رئيس مجلس الدولة الأسبق، أنه لا يمكن النظر إلى الأزمة الحالية بين المحكمة الدستورية العليا والرئاسة بشكل منفصل عما جرى من أحداث عقب صدور حكم المحكمة الدستورية بحل مجلس الشعب. أخبار متعلقة: الرئيس و«الدستورية» معركة البقاء للأقوى الصراع.. من «حلف اليمين» إلى «الإعلان الدستورى» تهانى الجبالى: «مرسى» فقد شرعيته كرئيس للجمهورية