مرة أخرى.. الديمقراطية والبرلمان

رفعت السعيد

رفعت السعيد

كاتب صحفي

ويتجدد الحديث الحائر عن الديمقراطية مع اقتراب جلسات البرلمان.

والأمر حائر فعلاً، فالبعض يعود بنا إلى استخدام الألفاظ الغبية مثل «ديموس كراتوس»، أى حكم الشعب بالشعب، وهو أمر يؤكد جان جاك روسو أنه لم يتحقق أبداً ولن يتحقق، ويقول: «فهذا النوع الذى يبلغ حد الكمال لا يصلح للبشر»، ثم يحيرنا المفكر الإنجليزى داهل «DAHEL» فى كتابه المعنون «عن الديمقراطية» إذ يقول: «كانت كلمة ديمقراطية تُستخدم فى أكثر الأحيان كوسيلة للسخرية من العامة الذين يحاولون مزاحمة الأرستقراطيين فى الحكم». وأعتقد أننا بحاجة إلى تجديد فى فهمنا للديمقراطية فى بلادنا. فإذا كنا نصرخ بتجديد الفكر الدينى ونتجاسر على فحص ما يتعلق برأينا فى فهم ما هو متعلق بالمقدس، أفلا يجدر بنا أن نجدد فيما يتعلق بعلاقتنا بالحاكم؟ وأنا أعتقد أن التكوين الفكرى نحو الديمقراطية يتركب عبر صفحات حضارية متتالية ومتناقضة ليقدم فى النهاية نسخة معقدة وذات تناقضات داخلية من رؤية مصرية- إسلامية- عربية للديمقراطية، فالتاريخ الحضارى المصرى الممتد إلى العمق الفرعونى ثم ما بعده من حضارات يتداخل فيعقد رؤيتنا ويزيد من حيرتنا.

فالفراعنة الذين نتمحك دوماً بحضارتهم ونتباهى بمنجزاتهم أسسوا كل حضارتهم بما لم نتوصل إليه نحن من فكر.

يقول «جون ولسون» فى كتابه «الحضارة المصرية» إن أساس الحضارة الفرعونية وسر تقدمها وإبداعاتها يكمن فى ثلاث كلمات.

■ «ماعت»، وتعنى العدل والحق والاستقامة،

■ «هو»، وتعنى السلطة الرشيدة،

■ «سيا»، وتعنى الإدراك العاقل للأمور.

تأملوا جيداً واسألوا أين نحن من هذا.

ثم نخطو نحو مراحل عروبتنا وإسلامنا لنجد ما فعله المعتزلة مثلاً إذ صاحوا بالعدل والحرية، ثم قالوا بخلق القرآن ووافقهم المأمون فتجبروا بلا عدل ولا حرية وقتلوا وسجنوا كل من رفض القول بقولهم. ويأتى الطرطوشى فى كتابه «سراح الملوك» ليشرّع لجبروت الحاكم وظلمه ويلبس ذلك ثياباً دينية قائلاً: «فالله سبحانه جبل الخلق على عدم الإنصاف، فمتى لم يكن لهم سلطان قاهر لم ينتظم لهم أمر ولم يستقر لهم معاش. ومن الحكَم التى وردت فى إقامة السلطان أنه من حجج الله على وجوده سبحانه ومن علامات توحيده، فالعالم كله فى سلطان الله، كما البلد الواحد فى يد سلطان الأرض. ومتى كان السلطان قاهراً لرعيته كانت المنفعة به تامة والدماء فى أهبها محقونة والأسواق عامرة والأموال محروسة». أما ابن كثير فإذ وجد الحاكم قاتلاً جامله قائلاً «إن للقاتل توبة فإن تاب بدّل الله سيئاته حسنات وعوّض المقتول عن ظلامته وأرضاه عن ظالميه»، ويستمر الحاكم فى القتل فيستمر ابن كثير فى النفاق فيقول: «وإن من قتل مائة نفس له توبة»، وينسى أن هذا تأسلم وليس إسلاماً، فالقرآن يقول «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ»، (النساء/93).

ونسير عبر حضارات وحكام وأحكام مختلفة لكننا نظل نحن العرب والمسلمين والمصريين منهم خاصة نعانى من تسلطية مبررة بالتأسلم وندور بها فى حلقات مفرغة دون أن تنتج نقيضاً لها بل تنتج بديلاً قد يكون أكثر تسلطاً أو أقل لكنها لم تنتج أبداً ديمقراطية حقة.

ويأتى لنا وبنا حكام يسببون حيرتنا، فعبدالناصر مثلاً قدّم لنا استقراراً وعداء للاستعمار والصهيونية ومكانة دولية وبعضاً من العدل الاجتماعى الحقيقى ومع هذا استلاب للحرية وسجون ومعتقلات. ويتكرر ذلك ليزيد من ارتباك الديمقراطية التى لا يمكن أن تُقتسم، فنصف الديمقراطية فى يد السلطة المركزية أقوى ألف مرة من نصفها الموزع على الرأى العام ومؤسساته، ومن ثم يتناقص النصف الموزع والمتنازع عليه أمام جبروت النصف المركزى الموحد.

ويلفت «داهل» نظرنا إلى أن قدرة الرأى العام على تطوير الديمقراطية محدودة، ويقول إن الديمقراطية قد تأتى ثم تتناقص ثم تذبل ثم تختفى، فهى ليست حتى كالآلة البخارية التى مع دورانها تطور نفسها بنفسها عبر إلهام العاملين عليها. أما الديمقراطية فهى دوماً محل معركة اجتماعية ومجتمعية مستمرة قد تدفعها للأمام أو للخلف وفق توازنات القوى. ومع انتشار الفقر والإفقار المتواصل والأمية تصبح الديمقراطية ترفاً، فلا تجد فى الواقع من يدافع عنها سوى عدد من المثقفين والمفكرين وحتى بعض المتاجرين بالمناداة بها، وهى تجارة رائجة فى أيامنا هذه لأن الغرب المعادى يتخذها وسيلة لاستخدام سلبى للديمقراطية فيدافع عن القتلة والإرهابيين فى بلادنا وضميره لا يهتز عن قتل المئات من الشرطة والجيش لكنه يشتعل عندما يصدر حكم ضد من قتلوا وأحرقوا ودمروا وروّعوا المواطنين.

ونأتى إلى موضوع آخر وهو القول بأن التعددية الحزبية هى معيار لديمقراطية الانتخابات وهو قول خاطئ، فلا انتخابات حرة أو شفافة إلا فى ظل تنافسية حقيقية قوامها التكافؤ، سواء فى الإنفاق المالى أو الإعلام أو أدوات التحرك بما يعنى أن تعدديتنا تعددية شكلية تخضع لنفوذ المال والسلطة أو حتى التمحك فى السلطة سواء طلبت السلطة ذلك أو انتابها السرور من فعله فسكتت عليه.

ونأتى إلى ظاهرة مهمة رصدها تقرير للأمم المتحدة عنوانه «التنمية البشرية - تعميق الديمقراطية فى عالم مفتت عام 2002»، ونقرأ باهتمام أن «انتشار الديمقراطية يبدو وكأنه قد توقف، فعندما لا تستجيب الحكومات حتى الديمقراطية منها لاحتياجات الفقراء فإن الجمهور يصبح أكثر ميلاً لتأييد زعماء يزعمون أن تقييد الحريات المدنية والسياسية سوف يسرع بالنمو الاقتصادى ويحقق التقدم والاستقرار الاجتماعى». وفى ذات التقرير أن «العالم لم يكن فى أى وقت مضى أكثر حرية فى المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية ولكنه لم يكن أكثر ظلماً مما هو عليه الآن»، وفى تقرير آخر للبنك الدولى عنوانه «الإنصاف والتنمية - عام 2006» نقرأ «لتوزيع الثروة ارتباط وثيق بالديمقراطية، إذ تلجأ النخب الحاكمة والمهيمنة اقتصادياً لحماية مصالحها عبر السيطرة على المجالس التشريعية»، وهم الآن يسيطرون على عديد من مقاعد البرلمان بهدف السيطرة على آليات التشريع فيمنعون أى تشريع يقر عدلاً اجتماعياً حقيقياً بما يدفع الفقراء إلى تحقيق آمالهم من خارج البرلمان. فليتعقّل المليارديرات ويتقبلوا بعضاً من العدل الاجتماعى الحقيقى وإلا فالويل لنا جميعاً إذ يثور الفقراء مطالبين بالخبز. ونعود لتقرير الديمقراطية فى عالم مفتت ونقرأ: «ويؤدى الاستقواء بالأغلبية البرلمانية إلى نفور المزيد من المواطنين وخاصة الشباب من العملية الانتخابية وعدم التجاوب معها والانسحاب من آلياتها بما يزيد من العداء للانظمة القائمة».

والآن يا أيها المليارديرات ويا أيها الذى تبديت وبلا مناسبة فى صورة المتحكم فى مصائر البرلمان بزعم تأييدك للرئيس.. أرجوكم جميعاً.. تعقلوا.