رسالة إلى نجيب محفوظ

حازم دياب

حازم دياب

كاتب صحفي

أستاذ نجيب مساء الخير، كيف هى الحياة فى «السماء السابعة»؟ عندما صعدت روحك لبارئها لم أكن أعرفك بالقدر الكافى، أسمع فقط أن ثمة كاتباً ألحد عبر رواية تجسّد الذات الإلهية بما لا يليق بجلالها، عندما تلمّست الطريق للأدب عثرت عليك، كلماتك بمثابة الونس الذى يترع القلب بالسكون، ويصيب الروح بحالة نشوة، صحيح، أود أن أسألك: لماذا تستخدم كلمات: مترع وريان فى أعمال أكثر من أى أعمال أخرى؟ منذ يومين يا أستاذ أرسل لى ابن عمى -الذى أهدانى رواية القاهرة الجديدة منذ سنوات لتكون أول تعارف حقيقى بيننا- يسألنى كيف أحبّك وأنت من مشجّعى الزمالك بل وكنت لاعباً للوسط فى ناشئى الفريق الذى كان مختلطاً ثم أصبح فاروقاً، أجبته «عم نجيب فى حتّة لوحده»، تعرف يا عم نجيب، أنا فى كل عيد ميلاد لك، وهو بعد أيام، أهرول إلى الإنترنت، أفتح الاحتفال الأخير لك بعيد ميلادك الذى أذاعته منى الشاذلى حين كانت تقدّم «العاشرة مساءً»، كلما أرى الفيديو أبكى فى كل مرة أسمع فيها صوتك وأنت تقول لأمريكا إن القيادة الحقيقية للعالم تجىء عن طريق العدل لا الغزو، ثم وأنت تجيب عن سؤال يوسف القعيد وهو يعدد ما واجهته مصر منذ ثورة سعد زغلول، ويسألك كيف ترى مصر بعد الحروب والانتفاضات فعاجلته: تعانى، فسألك بلزوجة: وإزاى تخرج من المعاناة؟ فعقبت: «فكرك عارف ومقولتش؟»، يا عم نجيب، بصراحة كلما أشاهد يوسف القعيد أدرك كم كنت مجاملاً، فى الفيديو يظهر جمال الغيطانى وهو يخبرك أن الليلة ليلة تليفزيون، وأنت تسخر بأن أسبوع ميلادك أصبح أسبوعاً للآلام من فرط اهتمام الإعلام المبالغ بك بعد حصولك على نوبل، لقد رحل الغيطانى منذ أيام فى يومٍ للانتخابات فلم يذكره أحد لاهتمامهم بالصناديق.

عم نجيب، قلت فى عامك الأخير إنك حين يخلو بك البيت فى النهار، لا تفعل إلا الغناء لمنيرة المهدية، هل لذلك علاقة بحب وارتباط وثيق بينك وبين الحياة منحتك على أثرها عمراً وفيراً؟ أريد أن أسألك: هل طول العمر نعمة أم نقمة أصلاً؟ حين تنشأ على ثورة أطفال ضد احتلال، تسمع صوت منيرة المهدية عبر أسطوانات، ثم تصل لرجال يتراقصون بالغناء، بم شعرت يا مولانا عندما رأيت ملاك الموت؟ هل أصابك ذعر الضيف الذى لا تعرفه أم راحة استقبال الحياة الأخرى؟ هل تعلم يا أستاذ نجيب أن زوجتك رحلت العام الماضى؟ هل كنت تحبها فعلاً؟ أم أن السيدة التى رحلت فى الحنطور بالعباسية وأنت شاب لم تفارق خيالك؟ أستاذ نجيب، أحيطك علماً أن يومى الأول فى القاهرة كانت أعوامك قد وصلت للمائة وحضرت احتفالات بتجسيد شخصياتك أمام بيت القاضى حيث نشأت، يومها يا أستاذ نجيب قلت فى عنوان الصحيفة التى عملت بها: «نجيب محفوظ لن يموت»، تعرف يا أستاذ نجيب، أنا لم أقبّل أبداً يد شخص أياً كان، لا يتعلّق الأمر بتنطّع منى -لا سمح الله- لكنها عادة ترعرعت عليها، أرى أخى الأكبر يقبّل يد أبوىَّ فأحاول أن أحذوه بلا جدوى، أود إخبارك أننى وددت لو عرفتك حيّاً لأقبل اليد التى كتبت.

أستاذ نجيب، ختاماً، لكى لا أطيل عليك: ما الذى مرق فى ذهنك عندما كان السكين مرفوعاً فى وجهك من قبل ملتح يهتف لنصرة الدين؟ تعرف يا عم نجيب، يوم أحداث الاتحادية كان فى مواجهتى رجل ذو لحية طويلة ووجه غاضب يمسك بالحجارة ويهتف: «هى لله، هى لله»، يومها حين أصبت فى ذراعى، قلت ربما يكون الخالق غاضباً علىَّ فعلاً، ثم تذكرّت سؤالاً فى روايتك البديعة رحلة ابن فطومة: «أيهما أسوأ يا مولاى، من يدعى الألوهية عن جهل أم من يطوع القرآن لخدمة أغراضه الشخصية؟!» ثم هدأ قلبى حين ذهبت لمقولتك فى حضرة المحترم: «كلّنا يتكلم عن الحياة بثقة كأنما يعرفها حق المعرفة، لولا وجود الله سبحانه وتعالى لكانت لعبة خاسرة لا معنى لها، من حسن حظنا أنه موجود وأنه أعلمُ منّا بما يفعل».