إيران والمسارات المحتملة للتدخل فى سوريا
ربما لم تكن إيران معنية فى أى وقت مضى بالبحث فى المسارات المحتملة لوجودها البارز فى سوريا ودورها فى الصراع العسكرى الذى قارب على إنهاء عامه الخامس أكثر مما تبدو خلال الفترة الحالية، وبالتحديد بعد التدخل العسكرى الروسى الذى سوف يفرض فى حالة نجاحه أو فشله تداعيات مباشرة على توازنات القوى داخل سوريا ومن ثم على مصالح وطموحات إيران التى تسعى إلى استثمار التوقيع على الاتفاق النووى مع مجموعة «5+1» والانفتاح على الولايات المتحدة الأمريكية من أجل دعم حضورها الإقليمى فى المنطقة والتحول إلى قوة إقليمية رئيسية فى معظم الملفات، إن لم يكن مجملها، باعتراف غربى هذه المرة.
إذ يبدو أن التدخل العسكرى الروسى جاء بعد تنسيق عالى المستوى بين روسيا وإيران وسوريا والعراق، وربما حزب الله اللبنانى، وهى الأطراف التى رأت ضرورة التحرك من أجل إنقاذ نظام الرئيس السورى بشار الأسد الذى بدأت قواته تتراجع تدريجياً، وبشكل واضح، فى الفترة الأخيرة، بعد أن حققت قوى المعارضة مكاسب استراتيجية عديدة واقتربت من مناطق نفوذه الرئيسية فى الساحل السورى.
ومن هنا ربما يمكن القول إن حديث الرئيس السورى بشار الأسد، فى يوليو 2015، عن النقص العددى الذى تواجهه قواته التى لم تعد تستطيع الدفاع عن مجمل المناطق السورية التى تقع تحت سيطرة النظام، كان بمثابة دعوة لحلفائه من أجل إنقاذه بعد أن فشلت كل الجهود التى بُذلت خلال الفترة الماضية فى تحقيق ذلك.
لكن رغم أهمية هذا التدخل الروسى بالنسبة لنظام الأسد وحلفائه، وعلى رأسهم إيران، فإنه لا يخلو من رسائل لا تبدو مطمئنة بالنسبة للأخيرة. إذ إنه يوحى بأن إيران استنفدت معظم، إن لم يكن مجمل، ما تمتلكه من خيارات لمساعدة النظام السورى فى الفترة الماضية، كما أنه يشير إلى أن توازنات القوى على الأرض باتت تفرض استخدام إمكانيات وتقنيات لا تمتلكها إيران بسبب العقوبات الدولية التى تعرضت لها فى العقود الماضية على خلفية أزمة ملفها النووى، وخاصة فيما يتعلق بالقدرات الجوية التى تحولت إلى رقم مهم فى المواجهات الحالية، بعد أن استخدمتها روسيا بكثافة لتغيير تلك التوازنات لصالح النظام السورى، تمهيداً لقيام قوات الأخير بشن هجوم برى من أجل استعادة زمام المبادرة وتوسيع مساحة الأرض التى يسيطر عليها.
لكن الأهم من ذلك هو أن هذا التدخل يوجه رسالة إلى الأطراف المعنية بالأزمة السورية بأن مفتاح الحل انتقل من طهران إلى موسكو، وأن إيران لم تعد الطرف الرئيسى الوحيد الذى يمكن التفاوض معه لتسوية الأزمة فى سوريا. فضلاً عن أن التنسيق الواضح بين روسيا وإسرائيل فيما يتعلق بالتحرك الروسى داخل سوريا لا يبدو مريحاً بالنسبة لطهران لما يمكن أن ينتجه من تأثيرات سواء على مصالحها أو على مواقع حلفائها داخل سوريا ولبنان.
ومع ذلك، فإن إيران لم تتوان عن استثمار هذا التدخل بهدف إنقاذ النظام الذى يمثل المصلحة الأولى والأهم بالنسبة لها فى الوقت الحالى، وذلك من خلال المشاركة فى التدخل البرى الذى يستفيد من نتائج الضربات العسكرية الروسية، خاصة عن طريق الميليشيات المسلحة التى قامت بتكوينها وتدريبها فى الفترة الماضية إلى جانب قوات حزب الله اللبنانى، مع الاستعانة بخبرات قادة وكوادر من الحرس الثورى من أجل إدارة المواجهات العسكرية على الأرض.
وقد كان تعمد الحرس الثورى إصدار بيان ينعى فيه مقتل العميد حسين همدانى على أيدى عناصر تنظيم «داعش» فى مدينة حلب، فى 8 أكتوبر 2015، رسالة حرصت من خلالها إيران على تأكيد رفع مستوى انخراطها فى الصراع العسكرى داخل سوريا، بعد أن كانت حريصة فى الفترة الماضية على عدم الحديث عن هذا الدور، فى إطار سعيها لمواجهة الاتهامات التى تطلقها قوى إقليمية عديدة بتدخلها فى كثير من أزمات المنطقة.
مغامرة محفوفة بالمخاطر
لكن رغم استعراض القوة الذى تقوم به روسيا فى سوريا، وهو ما بدا جلياً على سبيل المثال فى إطلاق 26 صاروخاً طويل المدى من على متن سفن فى بحر قزوين، والذى بات محل ترحيب ودعم من جانب حلفاء الأخيرة، لا سيما إيران والعراق التى عبرت تلك الصواريخ أجواءها، فإنه لا يمكن التكهن فى الوقت الحالى بالنتائج النهائية لهذا التدخل الذى سيكون له تأثير كبير على توازنات القوى، إما فى صالح النظام السورى أو ضده.
ومن هنا يمكن تفسير تصريحات الرئيس بشار الأسد، التى قال فيها إن «فشل مهمة التحالف الذى يضم سوريا مع روسيا وإيران والعراق سيجلب الدمار للمنطقة كلها»، وهى إشارة إلى أن عدم تحقيق أهداف التصعيد العسكرى الروسى فى الوقت الحالى ستكون عواقبه وخيمة وبالتحديد فيما يتعلق بتزايد احتمالات انهيار النظام السورى فى المرحلة المقبلة، وهو ما سوف يفرض تداعيات لا تبدو هينة على مصالح إيران وطموحاتها فى الإقليم، إذ إن ذلك معناه ليس فقط توجيه ضربة قوية للدور الإقليمى الإيرانى باعتبار أن سوريا تمثل محوراً مهماً حاولت من خلاله إيران التواصل مع حلفائها الآخرين، لا سيما حزب الله اللبنانى، وإنما أيضاً، وربما يكون ذلك هو الأهم، تحويل سوريا، فى حالة ما إذا استمرت دولة واحدة بعد سقوط النظام، إلى طرف إقليمى معادٍ لإيران وسياستها فى المنطقة.
ومن هنا ربما يمكن القول إن إيران سوف تتحول إلى طرف مهم فى المواجهات الحالية، باعتبار أنها تمثل الفرصة الأخيرة ليس لإنقاذ النظام السورى فقط، وإنما لاحتواء أى تداعيات سلبية قد تنجم عن سقوطه خلال المرحلة المقبلة.