القتل الخطأ في مصر.. "الموت على أهون سبب"

كتب: إسراء حامد

القتل الخطأ في مصر.. "الموت على أهون سبب"

القتل الخطأ في مصر.. "الموت على أهون سبب"

دائرة مفرغة تودع كل مصري إلى دار البقاء، الموت ينتظره باختلاف المسميات، فهو ميت ميت، سواء موتة طبيعية أو قتل عمد أو قتل بحسن النية فيما اصطلح عليها قانونيا القتل الخطأ، والتي أضحت ظاهرة تتكرر بصورها العديدة، مرة في مستشفي وثانية في قسم شرطة وثالثة في طابور العيش ورابعة في عقار آيل للسقوط، وخامسة في مواصلات عامة أو معديات نيلية، وسادسة وليست الأخيرة تحت مظلة مكافحة الإرهاب. 

الضحية في كل حادثة هم ذوو المجني عليه بعد إبلاغهم بأن الحادث مجرد قتل خطأ، فكل أسرة كانت تنتظر ابنها عائدا لها سالما، لم يتصوروا أبدا أن يموت بالصدفة فيسجل في دفاتر دولته إنه ميت بالصدفة أو دون قصد، بين هؤلاء "عمرو إمام" أحد أبناء عمومة "عوض فتحي" ضحية حادث الواحات التي تم قصفها أثناء مرورها في منطقة محظورة بمنطقة الواحات، الشاب العشريني كان يرافق السياح المكسيكيين ضمن فوج الإرشاد السياحي، حسبما يصف ابن عمه، "عمره ما كان يتخيل يموت بالطريقة دي لأن مهنته بعيدة عن المخاطر، وهو لم يكن مريضا وكان يخاف الشبهات".

الدولة بدورها اعترفت أن الضحايا قُتلوا بالخطأ، لكن ذويهم وأصدقاءهم ما زالوا يصفون الحادث بالقضاء والقدر، "طبعا حزين لكن هو عمره ومكتوب له كدة"، لا ينفي "عمرو" صفة التقصير من قبل الدولة فعرضت حياتهم للخطر حتى لو دون قصد، "طبعا معلوم أننا في ظروف إرهاب لكن تحري المعلومات وتصويب الأهداف والبعد عن إزهاق روح أبرياء هو الأهم في هذه المرحلة فلنتدبر قليلا ماذا نفعل؟".

حالة من الحزن سيطرت على الشاب العشريني "عمرو"، فمهما كان "عوض" صديقا له، ولم تجمعهما صلة قرابة فقط"الأصعب في حادثة عوض عدم وجود جاني مقصر أو مهمل، فهي الدولة بحالها التي لا بد أن نحميها وتحمينا لذا كان عوض وغيره ضحية ظروف وتوقيت الإرهاب".

"وكم من روح راحت بطريق الخطأ؟" يقول "خالد .ج" قريب أحد الضحايا الذين توفوا داخل قسم مصر القديمة، جاءتهم جثة الشاب الذي لم يتم العشرين ملقى على ظهره وفي وجهه علامات تعذيب وتعدٍ بالضرب، وبرفقته تقرير طبي يفيد وجوب تشريح جثمانه بعد تعرضه للموت بطريق الخطأ، "مش فاهم ازاي تعدي بالضرب أدى إلى موت وما السبب في موته من الأساس؟ ".

ما زال "خالد" وبقية أقارب "فتحي" يتساءلون: "هل موته كان قضاء وقدر "تلمع عينه بالدموع حين يتذكر منظر شهادة الوفاة والتي تضمنت عبارة واحدة، "سكتة قلبية نتيجة موت بطريق الخطأ"، فيقول: "الروح في مصر ليس لها أي قيمة، ده واحد كان شغال قهوجي وفي حاله وعمره ما أذى حد". 

الاعتراف بالخطأ ليس صواب في حد ذاته يقول "محمد محسن" والد طفلة توفيت في انهيار عقار بمنطق الشاطبي بالإسكندرية: "المقاول بنى 4 أدوار مخالفة، والحي منحه الترخيص، وصاحب العمارة لما العقار وقع هرب خارج مصر، وفوجئنا في البلاغ المقدم أن المقاول متهم بالقتل الخطأ، وينتظر حكما واجب التنفيذ"، ورغم مرور 5 سنوات على الحادثة لم يتم التوصل إلى الجاني، بحسب عم "محمد"، فيقول "من يومين كانت الذكرى الخامسة لوفاة بنتي اللي ماتت نتيجة القتل الخطأ والجاني غير معلوم مكانه حتى الآن وكل يوم عقار ينهار".

"كام سنة ويطلع الجانى براءة" هكذا يردد عم "محمد" الذي استعوض ابنته عند ربه وطلب لها الرحمة، "هي ماتت والمقاول ممكن يطلع براءة لكن أنا وأمها نعيش بحسرتها طول العمر، والسبب هو القتل الخطأ".

"سعيد دعبس" هو الآخر فقد عزيزا لديه بفعل القتل الخطأ، إهمال طبي بمستشفى بنها الجامعي أودى بحياة "سامح" صاحب الـ22 عاما، "القتل الخطأ صورة من أبشع صور الإهمال، لأنه يعتبر قتل عمد"، الرجل الخمسيني لم يملك حتى حق مقاضاة المستشفى والطبيب، "ابني كان بيعمل عملية بتر صباع إيده حرقوا له رجله كلها".

عم "سعيد" صار وحيدا في دنيته، الابن الوحيد راح ضحية القتل الخطأ، والجناة هم أطباء كانوا يتولون علاجه، والمسؤولية الأكبر على المستشفى المهمل، "المستشفى ألقت اللوم على وزارة التعليم العالي والوزارة قالت إن الصحة السبب، ولم يحدث أي تغيير حتى الآن".

بعد سنوات من المطالبة بتصليح المعديات بين الوراق والجزر التابعة لها، أسفر الإهمال عن غرق معدية الوراق، فأودى بحياة العشرات، بينهم ابن خالة "إبراهيم جمعة"، نتيجة قتل خطأ بسبب عوامة تسير في الظلام الدامس نتيجة عدم وجود كشافات كهرباء، الشاب العشريني صار يخاف هو أيضا من ركوب المعديات أو استقلال المواصلات العامة، "الحادثة دي مش أول مرة، كل يوم عربية مقلوبة مركب غرقان ويقولوا قتل خطأ، طيب ما تصلحوا الطرق وتعالجوا مشكلات عتمة النيل وتحملوا المسؤولية شوية"، "إبراهيم" أدرك أن الميت في بلده ليس له سوى دية واحدة "هيرموا تعويض، كام ألف جنيه لأسرتي والجاني يهرب من المسؤولية ويفلت من العقاب ويبقي الحال على ما هو عليه بفعل القتل الخطأ".

القتل الخطأ أصبح آفة دولتنا بصوره التي تعددت نتيجة للإهمال والتقصير، بحسب المستشار محمد الوصيف رئيس المستشار القانونيين العرب، الذي أشار إلى وجوب التمييز بين 3 أنواع تختلف عقوبتهم، هي الإصابة الخطأ وعقوبتها تبدأ من البراءة إلى 3 شهور حبس ويجوز إيقافهم، أما القتل الخطأ مثل سائق لم يستطع مفاداة حادث فقتل دون معرفة المجني عليه وينتج عنها وجوب تعويض ورثة الشهيد أو المقتول وعقوبة جنائية من 6 شهور إلى سنة حسب تقدير الموقف أمام القاضي، أما الجهات التابعة للدولة سواء أمنية وخلافه ويكون القتل فيها نتيجة مخالفة تعليمات سيادية أو عدم تحري الدقة في مهاجمة الأهداف أو الاجتهاد في التحليل فيخضع فيها الجاني للتحقيق في جهته مع وجوب تعويض الضحية عبر هذه الجهة لأنها تصنف بالجنحة وليست جريمة.


مواضيع متعلقة