مغامرة داخل مدرسة: التعليم «فوضى.. وانحلال.. ومخالفات»

كتب: محمد طلعت

مغامرة داخل مدرسة: التعليم «فوضى.. وانحلال.. ومخالفات»

مغامرة داخل مدرسة: التعليم «فوضى.. وانحلال.. ومخالفات»

بوابة ضخمة تقع فى منطقة «المنشية» أعلاها لافتة كبيرة مكتوب عليها بخط صغير «محافظة الجيزة، إدارة كرداسة التعليمية»، ثم بخط أكبر «مدرسة منشأة البكارى الثانوية»، وتحتها كلمتان «بنات وبنين»، تنفتح البوابة فى تمام الساعة الواحدة ظهراً، إيذاناً بانتهاء الفترة الصباحية المخصصة للبنات، يبدأن فى الخروج جماعات وأفراداً من بوابة أخرى حتى لا يلتقين بالفتيان المصطفين أمام البوابة الرئيسية، لا يُسمح للأولاد بالدخول للمدرسة قبل أن تخرج منها آخر طالبة، حينها فقط يتم السماح للجميع بالدخول.

أقف إلى جانب البوابة فى انتظار فتحها، إلى جوارى يقف الطلبة بزيهم المدرسى الموحد المكون من بنطلون أسود و«تيشيرت» لبنى، أتعرف إلى أحد الطلبة أثناء فترة الانتظار، يخبرنى أن اسمه «حسين»، أسأله عن صفه الدراسى فيقول «أنا عايد سنة تالتة لأنى شلت رياضة وفيزياء وعربى»، بدوره يسألنى حسين فأقول: «أنا فى سنة تالتة، وأول يوم أحضر النهارده»، نتبادل الحديث حول المواد، أنظر إلى ملابسى فأجدنى أرتدى «تيشرت» أخضر وبنطلون جينز أزرق، أتشكك فى إمكانية دخولى المدرسة بصفتى طالباً، ينتابنى شعور بأن الإدارة لن تسمح لى بالدخول بالزى المخالف، غير أنه بمجرد فتح البوابة أجدنى أدخل بكل سهولة وسط عشرات الطلاب إلى داخل المدرسة.

{long_qoute_1}

بعد اجتياز البوابة الرئيسية أجد مدرساً يجلس على أحد المقاعد منهمكاً فى الحديث مع إحدى الطالبات وبيده كوب شاى، لا يلتفت لمنظرى المخالف، وأتجاهله أنا أيضاً فأدخل لأجد المدرسة تنفرج عن فناء واسع، فى المواجهة يطالعك مبنى مكون من أربعة طوابق مخصص لطلبة الصفين الأول والثانى الثانوى، ثم مبنى مماثل إلى يمينه مخصص لطلبة الصف الثالث الثانوى، يفصل بين المبنيين ملعب ترابى صغير.

فوضى، وهرج ومرج تسيطر على المشهد داخل المدرسة، يبدو الطلبة فى حالة «توهان»، يرتفع صوت خشن من مكبر صوت موجود بالفناء، أغلب الظن أنه لمعلم بالمدرسة «يا جماعة أقفوا طابور»، لا يبدو على الطلبة أنهم سمعوا شيئاً رغم إلحاح المتحدث، عدد كبير منهم يبدأ فى الصعود للفصول دون الاهتمام بالطابور، دقائق قليلة تمر وحالة الهرج ما زالت مستمرة قبل أن ينهيها الطلاب أنفسهم بالانتظام فى طوابير داخل الفناء الرئيسى، يقفون على شكل مستطيل فى مواجهة المبنى الكبير، أقف فى وسط الطابور كأى طالب عادى، لا مدرس يمر ليتفقد حالة الطلبة، أو ليكتشف ارتدائى زياً مخالفاً، تسود حالة من الهرج صفوف الطابور الخلفية، ضوضاء شديدة آتية من الصفوف الخلفية مبعثها الطلبة أنفسهم الذين لا يبدو عليهم أنهم واقفون فى طابور، يكتفى المدرس الواقف فى مواجهتهم بتفاعل الطلبة الموجودين فى بداية الطابور، يبدأ فى الحديث «مدرسة صفا»، لا استجابة من الطلبة، يستمر «مدرسة انتباه»، لا تأتى استجابة للمرة الثانية، تستمر حالة الهرج، لا يبدو أن هناك إذاعة مدرسية، كما لا يظهر أحد ليحيى العلم المرفوع على واجهة المبنى، يكتفى المدرس الممسك بالميكروفون بترديد عبارة «لا إله إلا الله»، فيردد الطلبة خلفه الشهادة، وينتقلون للسير فى اتجاه فصولهم دون أن يطلب منهم أحد تحية العلم أو ترديد النشيد الوطنى كما هو متبع فى المدارس.

{long_qoute_2}

أسير مع الطلبة فى اتجاه الفصول، تستمر حالة الهرج والضوضاء، تتزايد مع انتهاء الطابور، عشرات الطلاب يتجمعون أمام الفصول المختلفة، لا أعرف أين تقع فصول الصف الثالث الثانوى، فجأة أجد أحد المدرسين فى مواجهتى «انت بتعمل إيه هنا، فصول تالتة الناحية التانية فى المبنى الخلفى يا ابنى»، لا يلتفت المدرس لزيى المخالف، أتوجه للمبنى الخلفى فأجد الفصول تحمل لافتات صغيرة مدوناً عليها أرقام، أختار الصعود للطابق الثانى، فأجد فصلاً مدوناً عليه (3-3) أدخله لأجد ما يقرب من 20 طالباً واقفين يتبادلون الحديث دون وجود مدرس، دقائق قليلة تمر قبل أن يدخل مدرس اللغة العربية، ينتشر الطلبة على مقاعدهم، أحتار أين أجلس، فيأتينى صوت المدرس الذى أعرف أن اسمه «طلال» قائلاً: «اقعد يا عم يالا، انت لسه هتبص لى؟»، أجلس على أحد المقاعد ويبدأ المدرس فى شرح الدرس الذى يكتب عنوانه على السبورة «نعت الجملة واستخراج الإعراب»، يكتب المدرس جملة على السبورة قبل أن يقول «خلوا بالكم، المثال ده هييجى فى الامتحان، ركزوا كويس، كم من سائح زار الأهرامات، الفعل هو زار، وسائح نكرة يبقى نعت الجملة زار»، يواصل المدرس الشرح وسط حالة من الهدوء النسبى، بعض الطلبة يجلسون منتبهين للشرح، والبعض الآخر مشغول بجهاز الموبايل الذى يحمله، يلتفت المدرس لهم فيعلو صوته: «سيب يا ابنى الموبايل اللى فى إيدك وبص معايا، انتو مش نافعين أصلاً، ما حدش فيكم هياخد العشر درجات بتوع السلوك».

10 دقائق فقط تمر على بداية الحصة، يقرر المدرس إنهاء شرح درس النعت ويبدأ فى شرح درس جديد، يكتب عنوانه على السبورة: «العلم فى الإسلام»، يظهر على باب الفصل عدد من الطلبة قادمين من الخارج، يهم الطلبة بدخول الفصل فيأتيهم صوت المدرس: «خشوا الفصل اللى جنبنا مفيش مكان»، يستمر فى الشرح، يقف أحد الطلبة بالداخل ويخرج من الفصل دون أن يوجه أى كلمة للمدرس، يباغته الأخير: «مش تستأذن قبل ما تخرج يا حيوان»، بدورى أتحرك من على مقعدى فيأتينى صوت المدرس الذى يلاحظنى: «عايز تخفى إخفى»، بالفعل أغادر الفصل فيصل إلى مسامعى صوت المدرس وهو يقول: «يلعن أبوشكلك» ثم يصفق الباب ورائى.{left_qoute_1}

أنتقل إلى فصل (3/1) فأجد مدرساً ينادونه «أستاذ مدحت»، أسألهم عنه فيقولون إنه مدرس كيمياء، أجلس فى الصفوف الأمامية فأجد أحد الطلاب يطلب من الأستاذ «سيجارة»، لا يبدو على المدرس أى استياء من تصرف الطالب، على العكس يخرج من جيبه علبة سجائره الخاصة ويقدم واحدة منها للطالب الذى يشعلها على الفور، ويبدأ فى تدخينها داخل الفصل، يعلو صوت المدرس: «يالا عشان نشرح»، يأتيه الرد من داخل الفصل: «نشرح إيه يا أستاذ، ما خلاص بقى».

أستغل حالة الهرج الموجودة فى الفصل فأقترب من المدرس، أعرفه بنفسى على أننى محول من مدرسة أخرى، أسأله عن سبب التسيب الموجود فى المدرسة فيقول: «المنشية منطقة زبالة عشان كده المدرسة زبالة، وما فيش داعى تيجى كل يوم، تعالى كل أسبوع عشان تكتب حضورك فى المدرسة وتمشى»، تنتهى الحصة بعد خمس وثلاثين دقيقة كاملة، لا يشرح فيها المدرس شيئاً، تظهر إحدى المدرسات على باب الفصل وتسلم لمدرس الكيمياء ورقة، طالبة منه أن يكتب أسماء الحضور، يشرع المدرس فى الكتابة وهو يقول: «ملونى أسماءكم يا ولاد»، يمليه الطلبة بالفعل، وأجد فرصة لأن أعطيه اسمى فيكتبه فى الورقة التى أمامه، وبعد الانتهاء من كتابة الأسماء فوجئت بالمدرس يعطينى الورقة ويأمرنى بتسليمها لشئون الطلبة، أستلمها بالفعل وأسلمها لشئون الطلبة، وأعاود الصعود إلى فصل (3-3)، فلا أجد مدرساً داخله، وإنما أجد الطلبة فى حالة هياج، وإلى جوار فصلهم تجلس مدرسة فى غرفة خاوية منفردة بنفسها، يخرج أحد الطلبة من الفصل ويتوجه للمدرسة قائلاً: «الحصة إمتى يا أبلة؟»، تجيبه: «مفيش حصة النهارده أنا تعبانة»، يتركها ليدخل طالب آخر ويسأل: «هناخد حصة بقى يا جميل؟»، تغضب المدرسة وتصرخ فيه: «امشى يا حيوان»، يرد: «آسف والله، بحسبها أوضة بلاى ستيشن»، تلتقط المدرسة حقيبتها وتهم بالجرى وراء الطالب، لكنه يفر خارج الدور تماماً، ألمح مدرس الكيمياء فأقترب منه للسؤال عن موعد الحصص المقبلة فيرد بنفاد صبر: «مفيش حصص، فكك منى بقى».

ومع استمرار غياب المدرسين عن الفصول أقرر النزول للطابق الأرضى، حيث مكاتب شئون الطلبة، أشكو: «مفيش مدرسين بيشرحوا لينا يا فندم»، تجيب إحدى الموظفات: «روّح بقى انت لسة قاعد»، أنظر فى ساعتى فأجدها الثانية مساء، أى إنه لم يمض علىَّ فى المدرسة سوى ساعة واحدة والموظفة تطالبنى بالانصراف، أخرج من المبنى إلى الفناء الواسع، ثم إلى الحمامات، أجدها نظيفة رغم انقطاع المياه، أقرر مغادرة المدرسة التى تفتح بوابتها الكبيرة دون أن يكون عليها أى رقيب، بسهولة ويسر أخرج من باب المدرسة ولا أجد من يسألنى عن وجهتى، رغم عدم انتهاء اليوم الدراسى.

 


مواضيع متعلقة