رفعت رشاد يكتب: هل نقترب من الخلود؟
منذ أن نظر الإنسان إلى السماء لأول مرة، وتساءل عن سر الحياة والموت، وهو يحمل في قلبه أمنية خفية: لو كان في الإمكان أن نعيش إلى الأبد، أو على الأقل، يطيل عمره بما يكفي ليرى أحلامه تتحقق ويحيا بلا خوف من النهاية. ومع كل خطوة خطاها العلم في طريقه الطويل، اقترب هذا الحلم من أن يتحول إلى احتمال قابل للنقاش.
في الأيام القليلة الماضية، أعلن علماء كوريون عن اختراع مذهل في الطب، علاج جديد يعيد البصر للمصابين بتلف الشبكية، ذلك المرض الذي حكم على الملايين بالظلام الدائم. في اليابان، تمكّن فريق علمي من معالجة بعض حالات الشلل، فاستعاد المرضى القدرة على تحريك أطرافهم، وتناول الطعام بأنفسهم بعد سنوات من الاعتماد على الآخرين. هذه ليست مجرد علاجات، بل إشارات كونية على أن العلم بدأ يتلاعب بمفاتيح الحياة كما لم يفعل من قبل.
لم تعد الهندسة الوراثية اليوم مجرد نظريات أكاديمية، بل أداة حقيقية لإصلاح العيوب الخلقية، والتلاعب في شيفرة الجينات، بل وربما الوقاية من أمراض الشيخوخة نفسها. ومع ظهور تقنية «كريسبر» لتعديل الجينات، صار من الممكن نظريًا إزالة الطفرات المسببة للشيخوخة أو الأمراض الوراثية، ما يمهد لطفرات في الصحة البشرية لم تكن ممكنة قبل سنوات قليلة فقط.
كما أن الخلايا الجذعية تُعد من أعظم الاكتشافات العلمية في العصر الحديث، حيث تمتلك القدرة على التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم. وهذا يعني أننا نقترب من زمن يمكن فيه للعلماء تجديد الأنسجة التالفة، بل وحتى إنتاج أعضاء بديلة كاملة، كالقلب أو الكبد أو الكلى، بما يفتح الباب أمام حياة أطول وأجساد أكثر مقاومة للزمن.
بجانب ذلك أصبح الذكاء الاصطناعي عنصرًا حيويًا في تشخيص الأمراض وتوقع الأوبئة واختيار العلاج الأنسب لكل مريض. لقد تجاوز الواقع تجاوز الخيال، وصارت المستشفيات الكبرى تعتمد على أنظمة ذكية تتفوق على الأطباء في الدقة وسرعة التحليل. مستقبل الطب سيكون هجينا بين الإنسان والآلة، بما يتيح تقليل الأخطاء، وتسريع الشفاء، وتمديد سنوات الحياة.
كما فتح الطب النانوي آفاقًا مدهشة، حيث تُستخدم جسيمات نانوية أصغر من خلايا الدم في إصلاح الخلل داخل الجسم من الداخل. هذه التكنولوجيا يمكنها اكتشاف الخلايا السرطانية وتدميرها قبل أن تتكاثر، أو توصيل الدواء مباشرة إلى موضع الإصابة، مما يقلل الأعراض الجانبية ويزيد من فعالية العلاج.
بعض العلماء، وعلى رأسهم البروفيسور «ديفيد سينكلير» من جامعة هارفارد، يرون أن الشيخوخة ليست قدرًا لا مفر منه، بل مرض يمكن علاجه. بل إن شركات مثل «كاليكو»، التي أسستها "جوجل"، تستثمر مليارات الدولارات في أبحاث إطالة العمر. وفي ظل هذا السباق المحموم، قد يصبح متوسط عمر الإنسان 150 عامًا خلال وقت قريب، مع الحفاظ على شباب الجسد ووضوح العقل.
السؤال الجريء الذي يتردد الآن في الأوساط العلمية: هل يمكن للعلم أن يتغلب على الموت؟ علماء الأعصاب يدرسون إمكانية «تحميل العقل البشري» على أجهزة رقمية، وعلماء البيولوجيا يبحثون عن سبل لتجديد الخلايا إلى ما لا نهاية. وقد يبدو الأمر جنونيًا، لكنه ليس مستحيلًا في عالم تتغير فيه الحقائق كل يوم.
إطالة عمر الإنسان إلى هذا الحد يطرح تساؤلات أخلاقية وفلسفية عميقة: هل سيتسع الكوكب لسكانه لو لم يموتوا؟ هل ستظل الحياة ممتعة لو طال أمدها أكثر من اللازم؟ هل سيظل الحب محتفظًا ببريقه إذا عاش العاشق قرنًا من الزمان؟ تلك أسئلة لا يجيب عليها العلم، بل الضمير والخيال.
الحياة الطويلة قد تكون جنة على الأرض لمن يبحث عن العلم والتأمل والسعادة، لكنها قد تكون عبئًا نفسيًا واقتصاديًا لمن لا يجد فيها معنى. في المجتمعات التي تعاني من الفقر والبطالة، إطالة الحياة دون تحسين نوعيتها قد يضيف فقط سنوات من البؤس.
نقف اليوم على أعتاب عصر جديد، تتقاطع فيه خطوط الزمن مع معجزات العلم، وقد تصبح فيه النهاية مجرد بداية أخرى. وربما، ذات يوم، يصبح الموت خيارًا لا قدرًا.