نسمات السيدة الجليلة

الأرجح أن السيدة زينب، رضي الله عنها وأرضاها، ماتت ودُفنت في مصر، وظني أنّ ما يقال عن دفنها بالمدينة أو بدمشق أو بغيرهما غير صحيح بالمرة.

ففاجعة كربلاء وقعت في 10 محرم سنة 61 هجرية، بعدها سارت السيدة مع أهل البيت إلى الشام، وقضت هناك عدة أسابيع، ثم انتقلت إلى المدينة، حيث أقيم مأتم الحسين وشهداء أهل البيت، ومكثت بالمدينة لبعض الوقت، ثم اضطرت إلى تركها تحت ضغط من يزيد بن معاوية، ويعني ذلك أنّ السيدة تحركت إلى مصر منتصف أو أواخر سنة 61 هجرية، ومن الثابت أنّها توفيت يوم 14 رجب سنة 62 هجرية، ما يعني أنها لم تقض في مصر أكثر من بضعة شهور أو عام في أقصى تقدير، وكانت تبلغ من العمر وقتها 57 سنة، وكانت بالتالي في سن وظروف صحية لا تساعدها على التنقل من مصر إلى غيرها، ناهيك عن أن تتحرك في فترة لا تزيد على بضعة أشهر، وعلينا ألا ننسى أنّ السيدة زينب جاءت إلى مصر محددة الإقامة، وقد أُخرجت من المدينة على غير إرادتها، ويعني ذلك أن حرية الحركة لم تكن مكفولة لها من سلطة يزيد بن معاوية.

على ضفاف النيل، وتحديدا على الخليج المصري بمنطقة «قناطر السباع» -مكان حي السيدة حاليا- عاشت حفيدة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شهورا هادئة، أظلت فيها أهل مصر بمحبتها وتدفأت بمحبتهم لها ولأهل البيت، وظلت كذلك حتى عادت روحها الطاهرة إلى بارئها لتُدفن بمصر المحروسة بنفس المكان الذي عاشت فيه.

وظل المكان الذي عاشت وتوفيت ودُفنت فيه مشهدا ومزارا للمصريين يلتمسون فيه نسمات السيدة الجليلة وأهل بيت النبي.

ويشير «الجبرتي» في «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» إلى أنّ عبدالرحمن كتخدا القازدغلى هو أقدم الشخصيات التي اهتمت بإنشاء وعمارة مشهد السيدة زينب، وكان ذلك عام 1174 هجرية (1760-1761 ميلادية)، وكان من أكثر الأمراء اهتماما بتعمير الأماكن والمشاهد الدينية بالقاهرة، وعاش أيام علي بك الكبير، وقبل دخول الحملة الفرنسية إلى مصر بعدة سنوات، وتحديدا في عام 1796، ظهر بالمشهد الزينبي العديد من الشروخ والشقوق ومال بناؤه وخشى الناس عليه، فانتدب لعمارته «عثمان بك الكنبرجي» وبدأ العمل على قدم وساق من أجل إصلاحه، حيث تم هدم العديد من الجوانب في المشهد وكشف أنقاضه، وبينما كان أحباء السيدة زينب منهمكين في ذلك إذا بالفرنسيين يهجمون على البلاد، فيتوقف كل شيء.

ظل المصريون يقاومون الفرنسيين وثاروا ضدهم أكثر من مرة، وشعر حي السيدة بثورتهم وشارك فيها مع من شارك من أهالي بولاق والأزهر، وعلى مقربة من مشهد السيدة زينب تم إعدام سليمان الحلبى، الشاب النحيف الذي قتل كليبر، قائد الحملة بعد نابليون، بسبب القرار الذي أصدره الفرنسيون بدخول عساكر الفرنسيين بخيولهم إلى الجامع الأزهر وتدنيسهم مقامه الكريم. مشهد السيدة كان حاضرا في العديد من المشاهد الجليلة الكبرى.