وزير المالية الذى يحكم أوروبا
لقد حفظتُ هذا الاسم من كثرة ما وجدتُه فى أخبار أوروبا، إنه «شويبله» وزير المالية الألمانى.. أقوى رجل فى أوروبا.
كانت ألمانيا تريد أن تحكم القارة الأوروبية عبر وزير الدفاع، الآن تحكمها عبر وزير المالية!
كانت ممارسة القوة فيما مضى تأتى من السلاح، وكان فرض الهيمنة والنفوذ خارج ألمانيا يأتى بقوة الدبابات والطائرات.. واليوم باتت ممارسة القوة تأتى من قوة اليورو لا قوة المدافع.
وحين صرخ وزير المالية اليونانى مؤخراً: «لا تهينونا».. كان يتحدث عن الإهانة بالاقتصاد.. لا الإهانة بالاحتلال.. قال الوزير اليونانى غاضباً من سطوة وزير المالية الألمانى: «يجب ألا تهينوا بلادنا.. يجب أن تساعدونا فى إنهاء مسلسل (إهدار الكرامة) الذى نعيشه بسبب الأزمة المالية».
(1)
انتقلت ألمانيا من «نظرية القوة» بعد توحيدها الأول فى عهد «بسمارك» فى القرن التاسع عشر، إلى «نظرية الاقتصاد» بعد توحيدها الثانى فى عهد هيلموت كول.
أدت «نظرية القوة» إلى خسارة ألمانيا فى الحرب العالمية الأولى ثم خسارتها فى الحرب العالمية الثانية.. وفى كل هزيمة كانت تعود إلى الوراء، بعيداً.. خارج التاريخ.
استوعبت ألمانيا الدرس جيداً، وقررت أن تحكم أوروبا من جديد، مع تغيير المنهج الذى طالما قاد إلى مأساة.
قامت ألمانيا بسحق الماضى لأجل المستقبل.. تصالحت مع فرنسا، وتخلصت من النازية.. ورسخت الديمقراطية.. واختارت أن تكون «ألمانيا الأوروبية».. الأكثر سلاماً وتعاوناً.
(2)
لقد تغيرت ألمانيا ما بعد 1945 عن ألمانيا الآن.. أو بعبارةٍ أخرى.. فقد تغيرت ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية عن ألمانيا أنجيلا ميركل.
وفى مقال مميز لوزير الخاريجة الألمانى «يوشكا فيشر» شرحٌ لمعادلة جديدة.. هى الانتقال من حقبة «ألمانيا الأوروبية» إلى حقبة «أوروبا الألمانية».
تحولت إذن ألمانيا من كونها دولة مهمة تدور فى الفلك الأوروبى، إلى دولة أهم تدور أوروبا فى فلكها.. كانت هوية ألمانيا أوروبية.. واليوم هوية أوروبا ألمانية!
(3)
تواجه اليونان أزمة مالية.. وتقرر ألمانيا وحدها مصيرها، كما تواجه فرنسا صاحبة ثانى أقوى اقتصاد فى أوروبا، وإيطاليا صاحبة ثالث أقوى اقتصاد فى أوروبا.. مشكلات اقتصادية كبيرة.
وحدها ألمانيا تصوغ موازين القوة الاقتصادية فى القارة الآن.. وتتحدث الصحافة الألمانية باستعلاء واضح عن الأزمات الاقتصادية فى دول اليورو.. وتقدم نصائح لفرنسا وغيرها. وقد كتبت «دير شبيجل» مؤخراً عن أزمات «المريض الفرنسى».
(4)
يقول أعداء ألمانيا إنه «الرايخ الرابع».. ويقول العلم: إنه الاقتصاد. وإذا كان الغرب قد اختار الرأسمالية ثم مضى فى ترسيخ العولمة، فإن ألمانيا لم تخرج عن القيم الغربية ولا عن قواعد العولمة.
إن ألمانيا هى دولة المنطق، وهى عاصمة الفلسفة الحديثة.. إنها تدرك تماماً أن سعر الصرف، ومعدل النمو، ومستوى التضخم، وعجز الموازنة هى ميادين القتال الجديدة.. وأن الاقتصاد هو ساحة الحرب العالمية الثالثة.
خسرت ألمانيا الحربين السابقتين.. وهى اليوم -بعد تبديل السلاح وتعديل المسار- تكسب الحرب العظمى الجديدة.
كان طبيعياً -والحالُ كذلك- أن يكون وزير المالية الألمانى هو «الحاكم العام الجديد للقارة الأوروبية».
حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر