مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ
يقول الله تعالى في سورة «التوبة»: «وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ».
عجيب ذلك الصنف من البشر الذين تصفهم الآية الكريمة بـ«مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ». ومعنى مردوا، كما جاء في تفسير «الطبري»: مرنوا على النفاق ودربوا عليه. نحن بشر اعتادوا النفاق وتدرّبوا عليه حتى أصبح جزءا من تركيبتهم. المنافق من النوع المتمرن المدرب يمارس النفاق بشكل تلقائي وفي كل المواقف، يلهج لسانه بدغدغة مشاعر الآخرين والتزلّف إليهم كما يتنفس، يمتدح حكمة البلهاء وشجاعة الجبناء وجمال الأكثر قبحا.
هذا الصنف من البشر شديد الخطورة على المجتمعات، وذلك سر تحذير الخالق العظيم منه، وقد كانوا أيام النبي يختفون بين الأعراب المحيطين بالنبي، وكذلك بين أهل المدينة، ممن كانوا يُظهرون الإيمان بألسنتهم ويختزنون طاقات لا تفنى من الكفر والكراهية للمؤمنين ويتربّصون بهم الدوائر.
يمارس المنافق نفاقه وهو سعيد مسرور ومنتفخ بالثقة في قدرته على خداع الجميع، وأن أحدا لن يستطيع كشفه أو فضحه، وسيظل لذلك ينفث سمومه في الواقع آمنا مطمئنا، ناسيا أنّ الله تعالى يسمع ويرى، ويدرك زيف قلبه وعقله ولسانه، وأنه سبحانه قادر على فضحه في لحظة. الله وحده هو القادر على فضح المنافقين، أما البشر فلا يدركون. النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعلمهم إلا بوحي السماء: «لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ».
وفي سياق تحذير البشر من تصنيف بعضهم البعض، ليتهم أحدهم غيره بالنفاق وذاك بالإيمان والحديث عن أن هذا سيدخل النار وذاك سيدخل الجنة أورد «الطبري» في تفسيره إشارة شديدة العمق في معناها ومغزاها. وينقل فيها أنّ الصحابي «قتادة» كان يسمع قوله تعالى: «وممن حولكم من الأعراب منافقون» إلى قوله: «نحن نعلمهم»، ويسأل: فما بال أقوام يتكلَّفون علم الناس؟ فلان في الجنة وفلان في النار! فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري! لعمري أنتَ بنفسك أعلم منك بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئا ما تكلفته الأنبياء قبلك! قال نبي الله نوح عليه السلام: «وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، وقال نبي الله شعيب عليه السلام: «بقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ»، وقال الله لنبيه عليه السلام: «لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ».
كشف المنافقين متروك لله تعالى، ومرجعهم إليه سبحانه، وجزاؤهم موكول إليه، وقد وعدهم الله تعالى بعذاب مزدوج، في الدنيا والآخرة. فالله تعالى قادر على فضح المنافقين في الدنيا ليعلم كل الناس بحالهم، ويرون كيف يتقلّب المنافق من رأى إلى رأى، ومن حال إلى حال، ومن ولاء إلى ولاء، وكيف يجتهد في تقليب الأمور للناس، ويراوغ معهم، ويعيش بمئة وجه، حتى يشاء الله بكشف وجهه الحقيقي، وثمة عقاب آخر ينتظر المنافقين في الآخرة، وهو عقاب شديد القسوة تجد وصفه في قوله تعالى: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ».