لبنان.. بين الإسناد وأرض الميعاد

أختلف بشدة مع الكاتب الإسرائيلى هارلى ليبمان فى تحليله الذى أفرد له مقالاً فى صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» مؤخراً، يعزى فيه الحرب التى شنتها «حماس» على بلاده فى السابع من أكتوبر الماضى إلى رغبة إيرانية فى منع السلام بين «تل أبيب والرياض»، والذى كان قاب قوسين من تحققه لولا «طوفان الأقصى»، الذى حرم إسرائيل من توسعة «اتفاقيات إبراهام»، التى طبعت بها إسرائيل علاقاتها مع عدة دول عربية. ويرى «ليبمان» أن الطريق الذى يمنح إسرائيل الفوز بالحرب التى تخوضها على عدة جبهات منذ 11 شهراً هو توسيع «اتفاقيات أبراهام» وعقد سلام مع دول أخرى بالمنطقة.

هذا كلام منافٍ للحقيقة ولواقع ما جرى، إن الطوفان تفجر بفعل سياسة «نتنياهو» وحكومته المتطرفة، وما سبقها من سياسات قمعية مارستها كل الحكومات السابقة له، والتى حولت حياة الفلسطينيين إلى جحيم متصل، لم تعبأ إسرائيل بالسلام ولم يعد يعنيها أمره، فلقد حرقت كل وثائقه وأغصانه ولحست رمادها وتناست توقيعها الملزم لها دولياً.

إن كل محاولات سحب جيش الاحتلال من المعارك، إلى هدنة توقف الدمار فى غزة، وتعيد الهدوء إلى باقى الساحات والبؤر المشتعلة بالمنطقة باءت بفشل ذريع، «نتنياهو» يرى إيران عدوه الأخطر، ويشاطره فى ذلك هارلى ليبمان وأغلب الشعب الإسرائيلى، ولن نتفاجأ بمزيد من التصعيد على أى من جبهات «الإسناد» المتعددة، ربما اليمن فى أى لحظة، وإن كانت الدائرة تكاد تغلق على لبنان، التى تنتظر مصيرها منذ شهور، عاشها الشعب اللبنانى فى تهديد متصل، وباحتمالات تصعيد لا تتوقف، وباستدعاء مستمر لذكريات أليمة لم تنمحِ من الذاكرة اللبنانية عن اعتداءات إسرائيلية وحشية طالت أغلب الأراضى اللبنانية المستباحة، وكان أشهرها وأخطرها فى عام 1982، عندما اجتاح جيش الاحتلال العاصمة بيروت.

نذر المواجهة تتصاعد وطبول الحرب تدق، وقد نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن «نتنياهو» أبلغ المبعوث الأمريكى للشرق الأوسط آموس هوكستين أنه يسعى إلى تغيير جذرى على الحدود الإسرائيلية - اللبنانية، وأن «إسرائيل تقدّر وتحترم دعم الولايات المتحدة، لكنها فى النهاية ستفعل ما هو ضرورى للحفاظ على أمنها»، يأتى ذلك مع استمرار القصف المتبادل بين حزب الله والجيش الإسرائيلى وفق «قواعد الاشتباك»، والذى بدأ تحت راية «حرب إسناد غزة» وتحول إلى «حرب وجود لإسرائيل».

وما تزال الجهود الدبلوماسية تتأرجح بين الأمل واليأس، وتتمحور حول إعادة ترسيم الحدود بين البدين لتمُرَّ، بحسب موقع «سكاى نيوز عربية»، عبر النقطة التى نَصَبَ فيها حزبُ الله خيمة عسكرية تقول إسرائيل إنها أقيمت على عُمق نحو ثلاثين متراً داخل الأراضى الإسرائيلية، وأن يسحب الحزبُ المظاهرَ العسكرية، لا سيما الثقيلة، فى جنوب الليطانى، مقابل ضمان إسرائيل عدمَ القيام بأى خرق برى أو بحرى أو جوى للقرار 1701.

وإسرائيل لا تخفى مطامعها فى الجنوب اللبنانى، وإن كانت لا تفصح عن ذلك مثلما هى مفضوحة فى أطماعها فى غزة والضفة، وظنى أن هذه الساحات الثلاث هى التى يتأرجح بينها مشروعات التوسع التى يحلم بها «نتنياهو» ويشاركه فيها الرئيس السابق دونالد ترامب، المرشح الجمهورى الحالى فى انتخابات الرئاسة الأمريكية القادمة، الذى عبر صراحة عن صغر مساحة إسرائيل، وأنه مشغول بزيادة هذه المساحة، وظنى أن اشتعال الجبهة اللبنانية ربما يصب فى مصلحته الانتخابية.

وأتفق فى الرأى، إلى حد بعيد، مع الصحفى البريطانى الراحل روبرت فيسك، أشهر المراسلين الصحفيين فى الشرق الأوسط، عمل أهم سنواته فى لبنان، وقد كتب فى صحيفة «الإندبندنت» البريطانية مقالاً، بعد أيام من وعد «ترامب» فى مارس 2019 الذى منح فيه إسرائيل السيادة على الجولان، بعنوان «أمريكا تنبطح لإسرائيل»، والذى استهله متسائلاً: «هل هناك أى دولة أخرى على وجه الأرض تتجرأ أمريكا على التآمر معها إلى هذا الحد؟»، ثم يحكى فى مقطع آخر، قائلاً: أدهشنى شىء قاله «نتنياهو» رداً على توقيع «ترامب» على وثيقة الجولان المشينة: قال إن «جذور الشعب اليهودى فى الجولان تعود لآلاف السنين». هذا صحيح. لكننى تذكرت على الفور أنه فى عام 1982، خلال أسابيع من الغزو الإسرائيلى للبنان، جال جنود إسرائيليون وضباط «الشئون المدنية» حول القرى الشيعية المسلمة والمسيحية فى جنوب لبنان، وقاموا بتوزيع استبيانات للعرب. رأيتهم يفعلون هذا.

كانت الاستبيانات طويلة ومعقدة، وتسأل اللبنانيين هل كانت هناك بقايا أثرية يهودية على أراضيهم؟ هل كانت أى من مبانيهم القديمة تحوى علامات على إقامة اليهود فى العقود أو القرون السابقة؟ هل تحمل أى تلال أو قرى أسماء عبرية؟ لقد كانوا مهتمين بشكل خاص بالمنطقة داخل مثلث صور وصيدا وقانا. ويكمل «فيسك»: «بالطبع، كان هناك العديد من المقابر اليهودية. حتى فى قرى تلال جبل الشوف الدرزية، وعُثر على آثار الميزوزا اليهودية على إطارات الأبواب الحجرية، ما يثبت أن أصحابها القدامى اتبعوا تعليمات كتاب سفر التثنية (الكتاب المقدس).

وقد دوّن الإسرائيليون بالطبع وجود هذه العلامات وقد أشّر عليها بعض الأهالى إلى الجنود الإسرائيليين. ماذا لو -بعد حرب لبنان التالية- قررت إسرائيل أنه بدلاً من احتلال جنوب لبنان، فإنها ستضم المنطقة لأن «جذور الشعب اليهودى هناك.. تعود لآلاف السنين».

يحاصرنى هذا المقال بشدة هذه الأيام، وأعيد متأملاً قراءة ذكريات روبرت فيسك فى لبنان، وقصة التوثيق الإسرائيلى لما تبقى من أثر على الحجر، لاستخدامه وتوظيفه فى استكمال سرقتهم للأراضى العربية، بحجة الجذور، وخرافة العودة إلى أرض الميعاد. الخرافة الحاضرة فى كل وقت لاستثمارها دعائياً كى يكتمل بها مشهد الحرب المتوقعة فى أى لحظة.