مصر في تركيا و«السنتر» لا يربي
المنطقة على صفيح مشتعل. أسابيع قليلة وتطفئ حرب غزة عامها الأول. تطفئ شمعتها الأولى، ولا تنطفئ نيرانها التى امتدت لشتى أرجاء الإقليم. أطراف متصارعة، ووكلاء للأطراف المتصارعة، منهم من ينفخ فى النار هنا، ومنهم من يتأكد أن الجزء الذى خفت قليلاً أعيد إضرامه مجدداً. قوى دولية تتأرجح بين دعم هذا الجانب بالسلاح والعتاد تارة، ودعم الجانب الآخر بالتصريحات والتلويحات تارة.
فى الوقت نفسه، تنشغل كل دولة، مهما كانت طرفاً فاعلاً أو قوياً أو ذا قدرة على الحسم، بمشكلاتها وأحداثها الداخلية. انتخابات هنا، وصعود يمين متطرف هناك، وحديث عن ضرائب وبطالة وتأمين صحى وخدمات تطغى على حديث حرب القطاع. وكلما طال أمد الحروب، تضاءل اهتمام الشعوب، مهما كانت الحرب مروعة، ومهما بلغت آثارها من خراب ودمار وقتل وتشريد. إنها الطبيعة البشرية، يصعب إبقاء الناس فى أوج التعاطف والاهتمام لفترات طويلة.
وبمناسبة قرب مرور عام على اندلاع هذه الحرب، لا يسعنى سوى السؤال: بعيداً عن العواطف والمشاعر والأحاسيس، وبعيداً عن افتراضية «ماذا لو كان؟!» غير المجدية، هل غاية الأمل والمنى اليوم هى عودة أوضاع القطاع إلى ما كانت عليه قبل عملية السابع من أكتوبر؟
بعيداً عن الصراخ، والدبدبة فى الأرض، وتوزيع الاتهامات وتوجيه السباب، والتحليق فى فضاء عالم افتراضى ليس عنكبوتياً، بل خيالى لا علاقة بينه وبين الواقع، هل حققت غزة وأهلها المراد؟
المراد قوله هو أن نحو 41 ألف فلسطينى وفلسطينية قُتلوا فى غزة. ويقترب عدد المصابين من 95 ألفاً. ولن أتطرق إلى الخسائر المادية من هدم وتسوية بالأرض، والتهجير والنزوح، والخراب النفسى الذى لحق بالجميع، كما لن أتطرق إلى الفصل الجديد فى الإبادة الدائر فى الضفة الغربية.
فى تلك الأجواء، تقف مصر كعادتها فى قلب الأحداث، قيادة وشعباً. لم ولن تقصر يوماً فى واجبها، رغم كل ما تتكبده من أثقال وأحمال اقتصادية واجتماعية وسياسية، بالإضافة إلى هامش ما يوجهه لها سفهاء وجهلة من اتهامات، وذلك من خلف الشاشات وهم جالسون فى المقاهى أو فى بيوتهم قبل أن يخلدوا إلى النوم.
وبينما هم نائمون، تأتى زيارة الرئيس السيسى لتركيا لتؤكد أن مصر لا تهدأ أو تنام، ولا تنجرف وراء جهود الاستقطاب ومحاولات الإغراق. السياسة لا كبير لها، ولا مجال للعواطف فيها، والمصالح المحلية والإقليمية والدولية لا تعترف إلا بلغة القوة: القوة الدبلوماسية والعسكرية والناعمة. لذلك قال العقلاء: لا مجال للدين فى السياسة، ولا سياسة فى الدين. بالطبع، يفضل الالتزام بقواعد أخلاقية يعيها البشر منذ بدء الخليقة، لكن حتى هذه القواعد تظل مثار شد وجذب بين من يدعيها ويُحسن التظاهر بها، ومن يرى الحقيقة بلا رتوش.
وبمناسبة رؤية الحقيقة، حقيقة ما جرى فى منظومة التعليم منذ سبعينات القرن الماضى واضحة بلا رتوش.
ذكرت اسم طليمات أمامها، ضحكت، وقالت: أول مرة فى حياتى أسمع هذا الاسم؟ سألتها: لم تسمعى عن زكى طليمات؟ ضحكت مجدداً، وقالت: لا، ده دواء؟! وعلى سبيل استمرار الأجواء «المرحة»، سألتها متفكهة: ولا زكى رستم؟ قالت: أعتقد أيوه، ده اسم شارع؟
لا أتوقع من طبيبة شابة أن تعرف السيرة الذاتية لأحد رواد المسرح العربى والمصرى زكى طليمات، أو قائمة الأفلام التى مثَّل فيها الرائع زكى رستم بالطبع، لكن على الأقل، أن يكون الاسم قد مر عليها فى سياقه، ولو مرور الكرام.
استمرت أجواء «المرح». أنا أسأل، وهى تجيب. فاتن حمامة؟ محطة فى مصر الجديدة. مصطفى أمين؟ صاحب صيدليات. طه حسين؟ حاجة فى الزمالك ويمكن عدى علىّ فى المدرسة. أنت خريجة أى مدرسة؟ نظرياً مدرسة كذا، لكن دراستى الفعلية كانت فى السنتر.
تربية السنتر ضربتنا فى مقتل. توغل منظومة الدروس الخصوصية أدى إلى السنتر، حيث يمضى كل من الطالب والمعلم أغلب الوقت. السنتر لا يربى، السنتر يحشو ويتأكد من قدرة الطالب على سكب الحشو على ورقة الإجابة آخر العام، وشكراً. كلمة أخيرة، نسبة معتبرة من «هبيدة» السوشيال ميديا، خبراء المال والإعلام والحرب والسلام إلخ، تربية سناتر.
وأضيف بيتاً إلى الشعر. نسبة غير قليلة من خريجات كلية الإعلام فى جامعات خاصة أصبحن «فاشونيستا» أو «مؤثرات» يروجن لأدوية التخسيس وتوابل الطبيخ ومواقع شحن الملابس، ونسبة أخرى تزوجن وأنجبن وتحولن أيضاً إلى «فاشونيستا» لـ«الماميز» و«مؤثرات» لمنتجات «البيبى» أو يعرضن تفاصيل حياتهن اليومية على «إنستجرام». الجزء المتبقى يسعى للعمل وتحقيق الأحلام المهنية. إنهن الناجيات من السنتر.
كان الله فى عون أى مسئول عن منظومة -ولا أقول وزارة- التربية والتعليم. ثقافة التربية غابت منذ عقود، ومكون التعلم، ولماذا نتعلم، وكيف نتعلم، ولماذا؟ تحتاج إعادة هيكلة، وهى هيكلة أهم من حذف مادة دراسية أو إدخال أخرى من المجموع.