«هنية» على شاشات الكرملين
توقفت كثيراً أمام تصريح وزارة الخارجية الروسية الصادر تعليقاً على اغتيال إسماعيل هنية، الذى قال: إن الشرق الأوسط على شفا «صراع أوسع».. وإن الأطراف الرئيسية فيه (بمعنى إسرائيل وإيران) تواصل إذكاء المخاطر. الخارجية الروسية أرجعت سبب الأزمة لاحتكار الولايات المتحدة تسوية الصراع فى الشرق الأوسط وانحيازها لإسرائيل دون غيرها من الأطراف.
التعليق الروسى الذى تنبأ بتوسع رقعة الحرب فى المنطقة.. يأتى من سابق معرفة بطبيعة الرد الإيرانى.. خصوصاً بعد تصدرها المشهد واختراق عمقها الأمنى أمام العالم.. وتصفية واحد من أهم الكوادر فى صراعها مع إسرائيل.. وما زاد الطين بلة أنه قد حدث أثناء الاحتفال بتنصيب رئيسها الجديد. وعلى جانب آخر تعلم روسيا جيداً ثقل حركات المقاومة الإيرانية فى المنطقة.. تعلم حجم تعاونها مع النظام السورى. وتعلم أيضاً أن ردود أفعالها قد تأتى على شكل ضربة مزدوجة تجمع صواريخ حزب الله فى لبنان.. ومسيرات الحوثيين باليمن.. وتستفيد من دعم الوجود فى العراق وسوريا.. فضلاً عن حركات المقاومة فى الداخل الفلسطينى.. وطبقاً للتقديرات الروسية ستشهد المنطقة ردود فعل ستجعل الشرق الأوسط على شفا صراع تتسع فيه حلبة الحدود الجغرافية.. أى بين إيران وحلفائها من جانب (الشرق).. وإسرائيل وحلفائها من جانب آخر (الغرب).
القارئ المدقق للتقديرات الروسية سيلاحظ وجود خطوط واضحة منذ اندلاع معركة طوفان الأقصى.. خطوط تقترب تارة من أطراف القضية الفلسطينية باستضافتها حوارات قادة الفصائل.. وتبتعد تارة أخرى عن صناع القرار فى إسرائيل. وعلى سبيل المثال لا الحصر كان للرئيس الروسى فلاديمير بوتين تشبيه نادر حين وصف الحصار الذى تفرضه إسرائيل على غزة بحصار النازيين على مدينة لينينغراد.
يقول المؤرخ الإسرائيلى سيميون جولدين إن عدم إدانة موسكو للهجوم الذى وقع فى السابع من أكتوبر رغم وجود مواطنين روس بين القتلى «خيانة قذرة».
شاهدت مؤخراً على إحدى شاشات التلفزة الإسرائيلية باحثاً فى قسم الدراسات الروسية بالجامعة العبرية بالقدس متحدثاً عن استقبال موسكو لقادة «حماس» فى مفاوضات إطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين... ووصف روسيا بأنها تقف إلى جانب المعتدى وليس إلى جانبنا على الإطلاق.. وفى المحافل الدبلوماسية تدعم روسيا قراراً لوقف إطلاق النار على قطاع غزة لكنه لم يدخل حيز التنفيذ بسبب التعنت الإسرائيلى المطالب باستمرار المعركة. ولا يمكن تغافل التأثير الذى تحدثه الجمهوريات السوفيتية ذات الأغلبية المسلمة على صانع القرار فى الكرملين.
عالم اللغة الإسرائيلى سيريل أصلانوف الذى طالما كثف رحلاته لنشر الثقافة اليهودية فى الجامعات الروسية كان له تصريح شهير حين قال: «ستكتشف بعد وقت طويل من العمل أن ما يسمى بالتقارب الإسرائيلى مع جمهوريات الاتحاد السوفيتى المفككة كان مجرد وهم». باتت إسرائيل تنصح بعدم السفر إلى بعض المناطق الروسية بسبب موجة حقد جديدة ومفاجئة حيال اليهود. ولا يمكن نسيان صور مطار داغستان الذى اجتاحته جماهير غفيرة من المواطنين عجزت قوات الأمن عن ردعها قبل وصول طائرة آتية من تل أبيب نهاية أكتوبر الماضى. واعتدوا فيها على كل ركاب الطائرة الإسرائيليين.
إذن على الرغم من تعنت الغرب ووقوفه بجانب إسرائيل يبدو أن الشرق فى (محادثات بكين الأخيرة) أو (تصريحات الكرملين) يرصد كافة المواقف ويحللها بدقة شديدة وبتعليقات تصب فى صالح القضية الفلسطينية ولكن دون تحرك على الأرض.. فى انتظار يوم تنكسر فيه شوكة الاحتكار الأمريكى لورقة الوساطة.. وعندها سنرى إن كان هذا الشرق قادراً على حل مشكلات المنطقة دون انحياز... أم أنه سيرضخ هو الآخر لتأثير اللوبى الصهيونى المؤثر على أعصاب الاقتصاد العالمى.«هنية» على شاشات الكرملين