التعليم.. والأسئلة الصعبة

تحفل وسائط «التواصل الاجتماعى» بشكاوى وصور وفيديوهات تنقل استغاثات بعض طلاب الثانوية العامة، وأولياء أمورهم، من «صعوبة الامتحانات»، وعدم قدرة البعض على حل الأسئلة، التى وصفوها بأنها «مُعقدة» و«طويلة» و«من خارج المنهج».

ونفهم من بعض هذه الشكاوى والاستغاثات أن هؤلاء الطلاب، ومعهم أولياء أمورهم بطبيعة الحال، يعتقدون أن الأسئلة يجب أن تكون سهلة، وأن يستطيع جميع الطلاب الإجابة عنها ببساطة، وأن يحصلوا جميعاً على مجاميع عالية تؤهلهم للالتحاق بـ«أفضل الكليات»، وأن يكون ذلك نهاية سعيدة للجهد والمال المبذولين فى عملية الإعداد للامتحان.

يجدر أن نتفهم قلق الطلاب وذويهم من «صعوبة الامتحان»، وأن نتعاطف أيضاً معهم، لكن قبل ذلك يجب أن نسأل عن فهمهم لفكرة الامتحان نفسها، بوصفه آلية لفرز الطلاب لجهة استعدادهم ومقدار ما بذلوه من جهد، وليس بوصفه آلية لتعويضهم عن التعب والمال المبذول، وطريقة لتوزيع الدرجات السخية عليهم بالتساوى.

وبموازاة ذلك، ننتظر إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة، ونأمل أيضاً أن يكون للتعليم حظ فيها، ليس عبر تغيير اسم الوزير أو الإبقاء على الوزير الحالى، ولكن عبر اعتماد سياسة منهجية لإصلاح التعليم، تشمل تطويراً للمدركات العامة لفكرة التعليم، ومن ثم فكرة الإصلاح.

فرغم أن قضية إصلاح التعليم تعد من القضايا التى تحظى بتركيز كبير فى أطر العمل الرسمية والشعبية، بسبب خطورتها الكبيرة وأهميتها الفائقة لمستقبل البلاد، فإن كثيرين لم يهتموا ببناء التوافق الرسمى والمجتمعى على صيغة الإصلاح، بل الأخطر من ذلك أن مفهوم الإصلاح نفسه يظل عرضة للجدل والفهم المختلط والمزدوج بين قطاعات عديدة.

سيفسر ذلك ما نفهمه من اعتقاد بعض أولياء الأمور أن نجاح أبنائهم فى الامتحانات وحصد الدرجات العالية، بأى وسيلة، يمكن أن يكون إنجازاً يسوغ مطالبتهم بالحصول على فرص عمل، وما نفهمه أيضاً من الحديث عن خطورة الاستسلام لفكرة جمع الدرجات عبر الحفظ والتلقين من دون تعلم حقيقى يسهم فى التكوين المعرفى السليم للطلاب، ويؤهلهم لخوض غمار منافسة وعرة فى أسواق العمل الداخلية والخارجية.

والشاهد أن هناك مشكلة كبيرة تكمن فى الاتفاق النادر على «رداءة الحالة التعليمية الوطنية»، وضرورة إصلاح التعليم بشكل مُلح ومدروس، من دون أى اتفاق على صيغة الإصلاح ومفهومه والمخرجات المتوقعة منه.

سيمكن أن نُسمى تلك المشكلة بـ«أزمة مُدركات إصلاح التعليم»؛ وفى مثل تلك الأزمات يتفق الجميع على وجوب الإصلاح، لكن الاختلاف يقع حول ماهيته ومساره وآليات تنفيذه، حيث تتدخل المصالح والأهواء أحياناً فى تعيين تلك الماهية وتحديد مسارها العملى.

لقد شهدت مصر مطالبات واسعة بضرورة العمل على إصلاح التعليم وتطويره، منذ نهاية القرن الفائت، إلا أن تلك المطالبات تزايدت بقوة مع مطلع الألفية، وتركزت محفزات الدعوة إلى الإصلاح فى ضرورة تجاوز ما بات واضحاً من «تراجع القدرة التنافسية» لخريجى مؤسسات التعليم فى مصر، والشكوى من «الفجوة الآخذة فى الاتساع» بين هؤلاء الخريجين ومتطلبات أسواق العمل، و«عدم وجود الارتباط الكافى» بين القدرات البحثية ونظم الابتكار المرجوة، و«عدم العدالة فى توزيع التكاليف»، وتراجع القدرة على «ضبط الآثار الاجتماعية السلبية الناجمة عن غياب تكافؤ الفرص فى مجال التعليم».

وبموازاة ذلك، أظهرت الحكومات المصرية المتعاقبة اهتماماً بضرورة تركيز الإصلاح فى هذا المسار، ومن بين ما طالبت به الحكومة فى هذا الصدد: العمل على تعيين نقاط القوة والضعف فى نظام التعليم المصرى فى مقابل القدرة والأداء الدوليين، وقياس جودة مخرجات الخريجين وصلتها بالاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، وسبل إحداث التوازن السليم بين التعليم الجامعى والتعليم والتدريب المهنيين، وقياس مدى ملاءمة فاعلية الانتقال من التعليم الثانوى إلى التعليم العالى.

والشاهد أن نقطة الانطلاق فى خطة إصلاح يُراد لها النجاح فى العملية التعليمية الوطنية يجب أن تكون عبر الإحاطة بمُدركات عملية الإصلاح لدى الأطراف المعنية كلها من جانب، وبناء التوافق على غايات واضحة ومسار عملياتى مناسب يحظى بالتفهم والرضا من جانب آخر.

ويسهم إدراك مُدركات القوى الفاعلة فى أى عملية تغيير فى تركيز السياسات، وضمان تبنيها، وسلاسة تنفيذها، والقدرة على تكريسها مؤسسياً، بما يضمن استدامتها.

وببساطة شديدة؛ فإن قطاعاً من أولياء الأمور على سبيل المثال -وكما يظهر من الحوادث الصادمة المتعلقة بالغش والغش الجماعى أو المطالبة بتسهيل الامتحانات- يدركون نجاح العملية التعليمية على أنه «حصول أبنائهم على درجات عالية تمكنهم من دخول كليات القمة»، بينما يرى قطاع آخر أن جودة العملية التعليمية تنحصر فى المجانية وتكافؤ الفرص، فيما يصر قطاع ثالث على أن تلك الجودة تتعلق بمدى القدرة على مواكبة المعايير السائدة فى أفضل النظم التعليمية العالمية.

ورغم أن الحكومة أعلنت فى وقت سابق عن بعض إجراءات الإصلاح وآلياته، فإنها أخفقت فى تسويق خطتها وبناء التوافق المجتمعى بصددها، فضلاً عن اصطدامها بصعوبات عملية كبيرة خلال التنفيذ، بشكل ألقى بظلال قاتمة على الخطة بأكملها.

والشاهد أننا بحاجة إلى خطة أكثر نجاعة واكتمالاً، تقوم على فكرة تطوير مدركات إصلاح التعليم، وبناء التوافق عليها، وهى مدركات ليس منها تسهيل الامتحانات، ومنح الدرجات للجميع بالمساواة.