الظهور الثانى لـ«البلاك بلوك»
جاء الظهور الأول لـ«البلاك بلوك» (الكتلة السوداء) متزامناً مع الأحداث التى سبقت الموجة الثانية لثورة يناير التى أدت إلى الإطاحة بالإخوان فى 30 يونيو 2013. فجأة ومن علوم الله أعلنت المجموعة التى دأبت على ارتداء الأقنعة السوداء، وتضم شباباً وفتيات، عن الظهور الثانى لها هذه الأيام، وأعلنت مسئوليتها عن حرق 5 أوتوبيسات تابعة لجمعية نقل الركاب بالإسماعيلية، ثم تنوعت بيانات «البلاك بلوك» بعد ذلك وكلها تنذر بالمزيد من العمليات الثأرية! الكتلة السوداء ظهرت فجأة قبل 30 يونيو وسط اتهامات من جماعة الإخوان بأن أعداءها هم الذين يقفون وراء تحريكها وتمويلها، وفجأة اختفت بعد أن دان الحكم للرئيس المؤقت عدلى منصور، لتظهر ثانية بعد مضىّ ما يقرب من العام على حكم الرئيس السيسى.
تساءل البعض حول الجهة التى تقف وراء الظهور الثانى للبلاك بلوك. التفسير السهل أن يتم إلصاق التهمة بالإخوان، وأن يقال إن الجماعة هى التى تقف وراءها لأنها صاحبة المصلحة فى الإضرار بالنظام الحالى، لكن الأجهزة المعنية لم تؤكد لنا هذا الأمر حتى الآن، وأخشى أن يكون هذا التفسير مستنداً إلى فكرة «العدو الأقرب» الذى يمكن أن تلصق به كل التهم وتستريح. ويدحض هذا التفسير -بعض الشىء- أن الإخوان لديها منذ شهور ما يكفيها من الخلايا العنقودية التى تتحرك فى اتجاهات عديدة، وتعلن عن عمليات قتل وحرق قامت بها عبر صفحاتها على الفيس بوك، مثل حركة المقاومة الشعبية، والعقاب الثورى، وثوار بنى سويف، وغيرها.
إذا كان ذلك كذلك فنحن أمام واحد من تفسيرين عند النظر إلى الظهور الثانى لمجموعة «البلاك بلوك»، أولهما أن تكون كتلة أخرى منافسة للسلطة -غير الإخوان- هى التى تقف وراء المجموعة وتدعمها وتحركها من أجل إزعاج النظام، وبث رسالة إليه ملخصها أن عمليات التحضير التى سبقت 30 يونيو يمكن أن يعاد إنتاجها مرة أخرى هذه الأيام! ولو سلمنا بهذا التفسير فعلينا أن نأخذ فى الاعتبار أن الظهور الحالى لهذه المجموعات هو ظهور مؤقت، وسينتهى بمجرد حل سوء التفاهم بين الطرفين المتنازعين، أو الوصول إلى مرحلة تصافق -من نوع ما- بينهما!
التفسير الثانى أن تكون هذه الحركة عفوية فى ظهورها الأول والثانى، وأن تكون تعبيراً عن حالة ضجر وتململ لدى فئات من الشباب التى كانت تضج من الإحساس بالقمع أيام حكم الإخوان، وترى أن المشهد الحالى ينطوى هو الآخر على قدر كبير من القمع الذى يبرر لها إيذاء السلطة. والقبول بهذا التفسير يعنى أننا أمام ظاهرة تعبر عن إحساس بعض الشباب بضرورة مواجهة القمع من جانب السلطة بوسائل وأدوات عنيفة. إذا سلمنا بهذا التفسير فعلينا أن نحذر، وأن نحاول أن نتفهم الأسباب التى ساقت هذه القطاعات إلى ذلك المسار، والجهة المطالبة بهذا هى السلطة السياسية التى تحكم البلاد، فواجبها أن تحتوى هذه القطاعات وتفهم مشكلاتها، وإذا قصّرت فى ذلك فعليها أن تحذر من تمدد الظاهرة. لو كانت «البلاك بلوك» مجموعات شبابية عفوية فنحن أمام حالة غضب يمكن أن تتوسع، ومن الواجب التعامل معها بعقلانية قبل أن يطول غضبها الكثيرين!