محمد مصطفى أبوشامة يكتب: ظاهرة «رجب» وانقلاب 79 في تاريخ الزعيم

كل المقارنات فى تاريخ الفنان الكبير عادل إمام، ستنتصر فيها السينما باكتساح سواء على مستوى غزارة الإنتاج وتنوعه، أو على مستوى ما فجرته من طاقات تمثيلية أظهرت عبقرية الزعيم كممثل من طراز فريد ونادر لا يتكرر كثيراً فى تاريخ التمثيل.

والأرقام لا تكذب، فلقد شارك «إمام» فى ١١ مسرحية طوال تاريخه الفنى، فيما قدم ١٦ مسلسلاً تليفزيونياً، وشارك فى مسلسل إذاعى وحيد سنة ١٩٧٣ مع العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ، أما فى السينما فقد بلغ عدد أفلامه ١٢٦ فيلماً.

لا شك أن الزعيم مدين بشهادة ميلاده الفنية للمسرح أبوالفنون، حيث كان دور «دسوقى أفندى» فى مسرحية «أنا وهو وهى» من بطولة فؤاد المهندس عام ١٩٦٣، هو بطاقة تعارفه الأولى مع الجمهور، وتمضى بعده عشر سنوات ليقود «إمام» ثورة جيله مسرحياً، متوحداً مع شخصية «الزعيم الأباصيرى» فى أيقونة المسرح المصرى «مدرسة المشاغبين» سنة ١٩٧٣ التى وضعته على أعتاب النجومية.

كما أن المسلسل التليفزيونى «أحلام الفتى الطائر» من تأليف وحيد حامد وإخراج محمد فاضل كان سبباً رئيسياً فى شهرة الزعيم محلياً وعربياً عند عرضه سنة ١٩٧٨، إلا أن السينما كانت ساحة المعركة الحقيقية فى مسيرة الممثل القدير عادل إمام، فقد ظل يجتهد ويعافر فى مشواره السينمائى لمدة ١٦ عاماً حتى منحه القدر كلمة السر التى وضعته على القمة.

لن يتخيل أى متابع لتاريخ الزعيم السينمائى أياً من أفلام عادل إمام التى دفعته إلى المركز الأول فى شباك التذاكر ليصبح بعدها الأعلى أجراً، وهو مقعده الذى لم يغادره حتى آخر أفلامه «زهايمر» سنة ٢٠١٠، وهى المكانة التى لم يفقدها أبداً منذ وصل إليها بعد النجاح الساحق لفيلمه «رجب فوق صفيح ساخن» الذى عُرض سنة ١٩٧٩، وكان انقلاباً سينمائياً فى مسار السينما التجارية وأحدث زلزالاً قوياً فى سمات البطل الأول، لينتصر عادل إمام بملامحه المصرية الخالصة على كل (جانات) السينما وقتها سواء من جيله أو الأجيال السابقة، لتصبح «ظاهرة رجب» نقطة تحول تاريخية فى مسار الزعيم.

وهو ما دفع ناقداً بحجم الأستاذ سامى السلامونى ليتوقف أمام «ظاهرة رجب» فى تحليل نُشر بالعدد الثامن من نشرة نادى السينما فى ٢٥ فبراير ١٩٨٠، ويصف الفيلم بأنه ظاهرة ٧٩ فى السينما المصرية بعد أن حقق أطول مدة عرض من بين كل أفلام الموسم، حيث استمر عرضه 36 أسبوعاً، كما حقق إيرادات بلغت 113 ألف جنيه فى دور العرض المصرية، بالإضافة إلى ملايين من الجنيهات عند عرضه عربياً، وهو رقم كان خيالياً بالنسبة لأى فيلم مصرى وقتها.

استعراض أفلام هذا الموسم ٧٩ يضعنا أمام حقائق مدهشة، فالزعيم كان ينافس نفسه فى نفس العام بثلاثة أفلام أخرى: «إحنا بتوع الأوتوبيس»، «قاتل ماقتلش حد»، «خلى بالك من جيرانك»، فيما عُرضت أيضاً أفلام مهمة لكبار نجوم السينما، منها: «ولا عزاء للسيدات» لفاتن حمامة، «المتوحشة» و«شفيقة ومتولى» لسعاد حسنى، و«إسكندرية ليه» للمخرج الكبير يوسف شاهين، «لا تبكى يا حبيب العمر» لنور الشريف وفريد شوقى، «خائفة من شىء ما» لنجوى إبراهيم وعزت العلايلى، «قاهر الظلام» لمحمود ياسين، «قصة الحى الغربى» لحسين فهمى وسعيد صالح، وأفلام أخرى مؤثرة كانت حاضرة فى هذا العام، انتصر (رجب) ببراءته وصدقه عليها جميعاً بحسب وصف الناقد الكبير.

ويقول الأستاذ السلامونى فى مقاله: «ارتبط نجاح رجب الكاسح بظاهرة نجاح نجمه عادل إمام، فلقد أصبح النجم الأول جماهيرياً، وهو ما أحدث بعض الانقلابات فى حسابات سوق السينما المصرية».. ما أدى إلى أن «بعض المنتجين والموزعين بدأوا يعيدون النظر فى أشياء كثيرة، حتى إن بعضهم أسرع يطلب من كتاب السينما تعديل بعض سيناريوهات الأفلام الجاهزة بالفعل للتصوير بحيث تناسب عادل إمام». ويضيف: «ما لا شك فيه أن صورة «الفتى الأول» اهتزت إلى حد كبير فى الفيلم المصرى بسبب عادل إمام، وهو تغيير جذرى لا أدرى كيف حدث، ولكن دلالاته التى تعنينا هنا هى أن نجاح (رجب) الكاسح أحدث هزة شديدة فى كثير من مقاييس وحسابات السينما المصرية».

إن عدد الأفلام التى قدمها الفنان عادل إمام خلال عقد الثمانينات عقب نجاح رجب (٣٥ فيلماً من بطولته)، يعكس المكانة التى حققها الزعيم، وقد كان هذا العقد فريداً فى تعامله مع السينما من حيث الكم والكيف، وظنى أن ما قدمه الفنان الكبير فى هذا العقد سينمائياً هو ما صنع أسطورته كفنان عظيم.

وقبل ظاهرة «رجب» بسنوات، كان عادل إمام ممثلاً شاباً نهاية الستينات، وكان قد بدأ مشواره بأدوار متواضعة أظهرت موهبته مع عدد من رفاق جيله من الكوميديانات الصاعدين فى زمانهم، وصفهم كاتبنا الكبير الأستاذ محمود السعدنى بـ«العيال» وذلك فى كتابه البديع «المضحكون» الصادر عن سلسلة «الكتاب الذهبى» بمؤسسة «روزاليوسف» عام ١٩٧١، وهو كتاب مهم يؤرخ بشكل جاد وساخر للكوميديا المصرية فى تلك الفترة المنتعشة فنياً فى المسرح والسينما، حيث يقدم عميد الكتاب الساخرين فى كتابه نجوم الصف الأول وكل الصفوف التالية من ممثلى ذاك الزمان، يرسم لهم (بورتريهات) بديعة، ساخرة ولاذعة لكنها عميقة، بكلمات حادة وجادة لكنها لا تخلو من مدح عظيم. وقد وصف السعدنى الكبير، ذاك الممثل الشاب (وقتها)، بأنه: «فنان نابغ وموهوب وعظيم»، وكانت كلماته نبوءة مبكرة لعبقرية ساطعة، وبرشامة نجاح صاغها ببراعة لصديق شقيقه صلاح (السعدنى الصغير) وزميله فى كلية الزراعة، قائلاً: «لو أدرك عادل إمام كم هو موهوب وكم هو مطلوب لنجا بنفسه من الكمين الذى أعدوه له»، ويكمل: «عادل إمام فلتة فنية ولا شك، ودخوله السينما المصرية ليس بالأمر السهل، خصوصاً فى سوق لا تعترف كثيراً بالمواهب وتفضل عليها الأشكال، فالوجه الجميل خير من العقل الذكى والأناقة خير من الثقافة والمصنوع أعظم من الموهوب».

وقبل أن ينتهى عقد السبعينات، يقود (الفلتة) كما وصفه عمنا السعدنى انقلابه السينمائى، وكانت كلمة السر هى (رجب)، الفيلم الذى وصفه ناقد بحجم سامى السلامونى بأنه فيلم مصرى.. صادق وبرىء «يتخطى مسألة المستوى الفنى بقيمة أخرى، هى أنه يقول شيئاً جيداً للجمهور العريض فى سينمات عماد الدين.. وهو الجمهور الحقيقى للسينما المصرية».

وهذا هو الجسر الذى تم تدشينه بين الزعيم وجمهوره الحقيقى، «أن يكون صادقاً ويقول شيئاً جيداً»، منذ تلك اللحظة البعيدة سنة ١٩٧٩ وحافظ عليها طوال تاريخه فاحتفظ بالقمة إلى الأبد