أيام مسلسل «الحشاشين»!
تابعنا طوال شهر رمضان الحلقات الثلاثين لمسلسل «الحشاشين»؛ هذه الطائفة المتطرفة التى أسسها «الحسن بن الصباح» فى حقبة غائمة من تاريخ المسلمين، نهايات القرن الخامس الهجرى، إثر صراعات مذهبية متشابكة، لم تنتهِ حتى الآن! ورغم حساسية الموضوع الطائفى الغامض فى أذهان الكثيرين، فإن صُناع العمل -من خلال تركيبة مزجتْ بين التاريخ والخيال- تمكنوا من تقديم عمل فنى رفيع، رصين وجذاب، بسط الحكاية للجميع، فصنعوا مسلسلاً رُبما لن يغادر ذاكرة الدراما المصرية والعربية.
فى البدء كانت الكلمة، والمتابع عن كثب للصوفى الكامن جوف مؤلف المسلسل، الأستاذ الكبير «عبدالرحيم كمال»، يستشف كيف استحال «عبدالرحيم» بكتابته درويشاً، يلف فى دوائر، مكافحاً جميع منتجات الظلام التى راجتْ فى بلادنا خلال عقود مضتْ، إخوانية كانت أو وهابية. إن التاريخ نادراً ما يُعاد تصنيعه درامياً فقط من أجل التاريخ، والمبدع وإن تناول أزمنة ماضوية، فمن الصعوبة بمكان أن ينسلخ عن واقعه المعيش؛ فالأب الروحى للحكائين «نجيب محفوظ» لم يكن فى روايته «كفاح طيبة» يؤرخ لمصر القديمة؛ فـ«محفوظ» ابن ثورة 19 كان بمرويته يُثور القراء بهدف جلاء المحتل البريطانى، والمخرج العالمى «يوسف شاهين» لم يكن فى رائعته «الناصر صلاح الدين» يمجد دولة الأيوبيين؛ بل كان بالعامية المصرية يدعم حلم القومية العربية فى الحقبة الناصرية، وكذلك فعل كاتب «الحشاشين»؛ همّه الرئيس لم يكن شخص «حسن الصباح».
الأستاذ عبدالرحيم، بحرفية بالغة، ودون ابتذال، كان يكشف الغطاء عن كل حشاشى هذا الزمان، فنحن الذين عانينا فى السنوات السالفة، التقلبات الدرامية الكبرى للجماعة الإرهابية، بدءاً من مسكنة «اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا» حتى جنون «إما نحكمكم أو نقتلكم»، كنا نشعر فى أثناء المشاهدة -على نحو لا إرادى- أن الحد الفاصل بين دهشة تاريخ القرون التى ولتْ، وقسوة اللحظة التى كانت راهنة قبل سنوات قلائل، قد انصهرتْ تماماً فى مخيلتنا الجمعية!
رُبما لا أرقى من إثارة الفن للذهن والفضول المعرفى، وهو ما نجح فيه -ببراعة- المخرج المبدع د. بيتر ميمى، فرغم تاريخية المحتوى، وتعقيدات حكاية غامضة فى تاريخ الشرق مثل «الباطنية»، فإنه منذ الحلقة الأولى حتى الأخيرة، تمكن تماماً من الاستحواذ -بحرفيته- على انتباه المتلقين، وفى كل مرة لم يتركهم لحدسهم فقط، أو ذاكرتهم، ومن هنا جاءت أهمية التعليق الصوتى المقتضب الملخص فى بدء كل حلقة. والمراقب يدرك كيف تجلتْ قوة تأثير دراما د. بيتر ميمى على الكبار والصغار فى تبادلهم الدعابات والنكات على حسابات مواقع التواصل، بمقاطع مقتبسة من شخوص العمل؛ الصباح، ونظام الملك، وزيد بن سيحون، وبرزك، والخيام، وصهبان.
واللافت أن براعة صنعة المسلسل كان لها بالغ الأثر فى بعض طبقات جيل أدمن دراما المنصات الأجنبية! لقد دفع «بيتر» ورفاقه شرائح جماهيرية مترنحة بلا هدف عبر مواقع التواصل، إلى البحث فى شبكة الإنترنت عن ماهية قلعة «ألموت»، وعن «حسن الصباح» وكيف انتهى، وعن الشيخ «الغزالى»، وعن الشاعر والعالم الشهير «عمر الخيام»؛ هذا «الخيام» الحالم الذى ما إن يُكتَب اسمه عبر محركات البحث، حتى تنفتح أمام المستخدم عوالم لا حصر لها، بدءًا من الشعر، والرياضيات، والفلك، والفلسفة، وصولاً إلى الإيمان، والشك، وزجاجات النبيذ، وكوكب الشرق أم كلثوم، ورواية «سمرقند» للأديب اللبنانى الفرنسى «أمين معلوف».
إن الفن الحقيقى -فى رأيى- لا يُقدم إجابات؛ بل يحث على البحث وطرح مزيد من الأسئلة فى الحياة؛ سعياً نحو شىء من اليقين.
وفى النهاية، لقد مرتْ علينا سنوات، كاد فيها بساط ريادة الدراما العربية عامةً، والتاريخية خاصةً، ينسحب من أسفل أقدام صناع الدراما المصرية، لولا كيان ضخم اسمه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الذى أنتج -من بين مسلسلات أخرى رائعة فى الموسم الرمضانى- عملاً حتماً سوف يظل فى ذاكرة مَن شاهدوه. ومثلما نقول: أيام مسلسل «على الزيبق، والزينى بركات، وعمر بن عبدالعزيز»، ستفوت أيضاً قابل الأعوام، وسوف يكبر فيها الصغار، ويقولون: أيام مسلسل «الحشاشين».