دراما الوعي في رمضان حقّقت نقلة نوعية للفن المصري

آمال عثمان

آمال عثمان

كاتب صحفي

تجعلنا دراما الوعى نرى حقيقة الإنسان بكل تناقضاته، ويحفّزنا الفن الهادف على التفكير، ويمنح خيالنا مساحات للبحث والتأمل والجدل، ويفتح أبواب التساؤلات ونوافذ الإدراك، دون الانزلاق إلى المباشرة والمواعظ، يجعلنا نتأمل حقائق الحياة وشخوصها وأحداثها، ندرك الأبعاد والأسباب والمسبّبات، دون محاكمة وتصنيف وتلوين للبشر أو شيطنة، يحفّز بداخلنا دائرة النقاش، ولا يفرض علينا حلولاً أو إجابات، يترك بداخلنا أثراً عميقاً، ويتركنا نحكم ونختار بعقولنا وقلوبنا.

هذا هو فن التأثير فى الوعى وإثراء الخيال، وتلك هى الدراما التى ترتقى بذائقة الشعوب وفكرها، وتعمّق ثقافتها وإدراكها، وهكذا قرأت الأعمال الدرامية التى تابعتها فى رمضان هذا العام، وما قدّمته من أعمال تاريخية وملحمية واجتماعية، وإنتاجات ضخمة وإمكانيات وتقنيات حديثة، ومؤثرات بصرية وديكورات ومواقع تصوير، حقّقت قفزة نوعية للدراما المصرية، وفتحت آفاقاً رحبة أمام كتّاب الدراما، لإطلاق العنان لخيالهم لاقتحام قضايا جريئة وشائكة، ونوعية مختلفة من الموضوعات، كانت عصية على الخروج من حيّز الورق، واستثمار ما تملكه مصر من طاقات إبداعية فى مختلف فنون الدراما، وأجيال من المواهب التمثيلية.

لذا أعتبر هذا الموسم من أفضل المواسم الدرامية على الإطلاق، وأكثرها تنوعاً وتميّزاً وثراءً، وأهمها فنياً وفكرياً، قدّم مزيجاً درامياً من الأعمال متعدّدة الرؤى والأفكار، وتميّز بالإيقاع السريع والأحداث المتلاحقة لمسلسلات الخمس عشرة حلقة، ومنح فرصاً حقيقية للمبدعين الشباب، وإمكانيات كبيرة لتأكيد مواهبهم، وإظهار إمكانياتهم وقدراتهم وسط النجوم وكبار المبدعين، وكذلك أفسح المجال لفنانين كبار منسيين، فرضتْ عليهم أعمارهم الجلوس سنوات فى منازلهم، وفتحت الطريق لأعمال اجتماعية تناقش قضايا شائكة، ولدراما الفانتازيا والخيال، فكانت أجمل مفاجآت هذا الموسم عودة سيدة الخيال «شهرزاد» بفصاحة لسانها، وغرائب وطرائف حواديتها، المرصّعة بجواهر أفكارها القادمة من الزمن البعيد النادر، وعجائب حكاياتها المنسوجة بعناية فائقة لتسلب الألباب، صاغ الكاتب المبدع أنور عبدالمغيث الحكاية المصرية، وأخرجها إسلام خيرى برؤية بصرية شديدة الإبهار والجاذبية، وجسَّد النجم ياسر جلال باقتدار شخصية الملك شهريار، وكذلك شخصية البطل الشعبى «جودر بن عمر المصرى»، صاحب الشهامة والمروءة، واستطاع أن يسبر أغوار الشخصيتين، ويعطى لكل منهما مفرداتها وتفاصيلها.

دخلت الدراما التاريخية إلى عوالم وأسرار الجماعات المنتسبة إلى الإسلام، وقدّمت أبطالاً وأباطيل من الماضى السحيق، ونجح صناع مسلسل «الحشاشين» فى الدخول إلى العالم السرى لأخطر جماعة دينية سرية، وأكثرها عنفاً ودموية، احترفت القتل والاغتيالات والعمليات الانتحارية لأهداف سياسية ودينية متعصّبة، والمرجع الأساسى للجماعات الجهادية والتكفيرية، التى خرجت من رحمها تنظيمات الإسلام السياسى، وبرع الكاتب المبدع عبدالرحيم كمال فى الكشف عن نشأة حسن الصباح، ودوافع شخصيته وأفكاره ومعتقداته الضالة، ونجح المخرج بيتر ميمى فى اختيار الفريق الفنى والتقنى المتميز، الذى وقف وراء جماليات الصورة المبهرة، والإيقاع، والديكورات ومواقع التصوير، والموسيقى، وجسّد الفنان كريم عبدالعزيز باقتدار الشخصية، واستطاع الولوج إلى إهابها، والاتساق مع أبعادها وتفاصيلها، والتوحّد مع أفعالها وأقوالها وتناقضاتها، ومع صفاتها وتكوينها النفسى والفكرى، توافرت لمسلسل «الحشاشين» عناصر النجاح، فحقّق قفزة كبيرة للدراما التاريخية، وفتح الطريق أمامها للولوج إلى المنافسة على المستوى الإقليمى والعالمى.

وأتوقف هنا أمام مسلسل «صلة رحم»، أحد أهم المسلسلات الاجتماعية وأكثرها جمالاً، يطرح المسلسل تساؤلاً بعذوبة وعمق: هل يملك الإنسان تغيير القدر، أو معاندة إرادة الله والاعتراض على مشيئته، وهل الحلال والحرام نسبى ويختلف باختلاف الزمان أو المكان أو الهدف؟ توافرت لهذا العمل كل العناصر الدرامية الجيدة لصناعة مسلسل يحترم عقل المشاهد ويمتّعه بصرياً وفكرياً، رسم الكاتب محمد هشام عبية الشخصيات بإحكام ومهارة، دون أن يلونها أو يحاكمها، لذلك جاءت تصرفاتها وتحولاتها مبرّرة درامياً ولها دوافعها ومنطقها، وأخرج العمل تامر نادى، وهو مبدع محترف لديه رؤية، ومتمكن من أدواته، طرح موضوعاً شائكاً وعرضه من كل جوانبه الدينية والأخلاقية والقانونية، دون مباشرة أو تنظير أو التورّط فى البحث عن إجابات للتساؤلات الكثيرة التى يثيرها المسلسل، والأفكار التى يناقشها، ومنحنا فرصة التحاور والتفكير فيها، سواء مع أنفسنا أو بصوت مسموع، وترك الحكم لعقولنا وقلوبنا.

ولأن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة، تقلصت مسلسلات البلطجة، وحقّقت الأعمال الكوميدية قفزة كبيرة، ونجحت فى رسم الضحكة والبسمة البعيدة عن الإسفاف والابتذال والتهريج، وطرحت قضايا اجتماعية ومشكلات أسرية تلمس الواقع، وتحترم عقول المشاهدين، «بابا جه»، الذى يناقش أهمية دور الأب ومسئوليته فى حياة الأبناء، و«أشغال شقة» وما يتناوله من أزمات أسرية يومية.

ولم تغفل الشركة المتحدة عن حق الطفل المصرى فى مائدة زاخرة بأعمال هادفة، فقدّمت له مسلسلات وبرامج بلهجة مصرية، تتناول موضوعات تصقل عقله بأفكار ترسّخ القيم الدينية والوطنية والإنسانية والحضارية، وتعلمه أصول وتعاليم ديننا الحنيف، والاعتزاز بتاريخ وحضارة بلدنا، والأخلاق والسلوكيات الاجتماعية السليمة