القاهرة الخديوية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

كانت منطقة وسط القاهرة زمااان من الأماكن المفضلة لى. كنت أنتهز الفرص وأرتب مواعيدى لتنظيم جولة معتبرة وسط المدينة الخديوية الإسماعيلية (نسبة إلى الخديو إسماعيل).كانت هذه المنطقة ومناطق أخرى غيرها قطعاً من المدن الأوروبية المبهجة التى يتمتّع المرء بالتجول فى شوارعها والانتشاء بفنونها المعمارية التى كانت نماذج للعمارة الراقية.كان الخديو إسماعيل، الذى حكم مصر فى الفترة من 1863 - 1879، أول حاكم مصرى منذ العصور الوسطى ينزل من قلعة صلاح الدين -مقر الحكم فى مصر- إلى القاهرة المدينة العادية بين الناس.

اشترى الخديو قصراً كان يملكه أحد القادة واسمه عابدين. كان القصر المشترى عادياً، لكن الخديو اشترى أراضى حوله وبنى قصراً كبيراً منيفاً، ولم يغير اسم القصر، فبقى قصر عابدين، الذى حكم منه مصر، كما حكمها كل من تولوا بعده فى الفترة من 1872 وحتى 1952 أى 80 عاماً.

كان نزول الخديو إلى المدينة واختلاطه فى المجىء والذهاب بالشعب نقلة سياسية واجتماعية كبيرة، وبسبب هذه الخطوة كانت القاهرة الخديوية قد تمركزت فى ما نطلق عليه وسط القاهرة.

ضمّت الخديوية منطقة المبانى متعدّدة الطوابق -العمارات- فى شوارع، وصمّمت على غرار شوارع باريس وعمائرها وفيها البنوك والشركات يسكنها مشاهير المجتمع، لكن غالباً من غير الباشاوات الذين كانوا يفضّلون المساكن الخاصة من القصور والفيلات فى منطقتى جاردن سيتى والزمالك.

من حُسن حظى أننى تمتعت بالقاهرة الخديوية لفترة معقولة، أما الآن فرغم حنينى إليها إلا أن جولاتى فيها غير ممتعة، فقد تحولت إلى منطقة عشوائية يحتلها -بمعنى الكلمة- الباعة الجائلون ويفترشون أرصفتها ويفترسون تاريخها. وحتى فى الفترة التى لم ألحق بها، تنشر على جروبات وسائل التواصل الاجتماعى صور بديعة لهذه المنطقة وفنادقها ومحلاتها المشهورة التى كانت ملأى بالعائلات الكبيرة تتنزه وتسهر فى أماكن خلدتها السينما فى أفلامها.

كلما زُرت منطقة الخديوية وجدت تغييراً، فالمحل الفلانى صار غير موجود وحل محله محل شاورمة، والمحل العلانى توفى الله صاحبه، وحل محله محل كشرى. وبعض المحلات أغلقت أبوابها وانطفأت أنوارها، فصارت عنواناً لكآبة حطت فى مكانها وحولها.كانت تلك المنطقة خلابة سلبت ألباب الكتاب ووصفوها فى رواياتهم وقصائدهم وأفلامهم، وكانت دور السينما تتلألأ بالأضواء وعند العرض الأول كان نجوم العرض يحضرون ويلتقون بالجمهور فتنتشر البهجة، وكانت المسارح مجتمعة فى ذلك المكان ولم تعد، بل إن المسرح القومى محاصر منذ سنوات بتتار الباعة.

لم تعد هذه الخديوية كما كانت، ولم نعد نحن كما كنا.