تباينات اتفاق الهدنة.. من يفرض شروطه؟

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

«الاستسلام» كلمة لا تعرفها المقاومة الفلسطينية، وقد ظهر ذلك واضحاً منذ اللحظة الأولى التى قرّرت فيها حركة حماس وجناحها العسكرى «كتائب القسام» انطلاق شرارة البدء فى السابع من أكتوبر الماضى، لإنهاء مرحلة الذل والعزلة والحصار والأزمات السياسية والاقتصادية التى عصفت بقطاع غزة منذ أكثر من سبعة عشر عاماً، أداء القتال والتنظيم والاستبسال الذى أظهرته فصائل المقاومة فى المعارك مع جيش الاحتلال، والتضحيات التى قدّمها الشعب الفلسطينى، لا يمكن التنازل عنها بسهولة مع ما تطالب به إسرائيل لوقف الحرب على غزة.

الفجوة لا تزال كبيرة بين إسرائيل وحركة حماس، مفاوضات تكسير العظم والندية بين الطرفين تجعل جسر الهوة بينهما أمراً فى غاية الصعوبة، «نتنياهو» يريد أى صورة انتصار تنقذ مستقبله السياسى، وتُرضى غرور اليمين العنصرى المتطرّف فى حكومته (بن غفير وسموتريتش)، و«حماس» ترفض أى إملاءات لا ترقى لحجم التضحيات التى قدمها سكان قطاع غزة، تُنهى المعاناة والحصار المضروب عليهم منذ سنين، مع ضمانات دولية بعدم شن حروب أخرى فى المستقبل.

إسرائيل تتحدى الولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولى وتهدّد جدياً باجتياح رفح والدخول فى عملية عسكرية كبيرة، فى منطقة لا تتجاوز 60 كيلومتراً مربعاً، مكتظة بالنازحين، الذين تجاوز عددهم مليوناً و500 ألف مواطن، وذلك بهدف الضغط على «حماس» وانصياعها لشروط إسرائيل فى التفاوض، مما يعنى ارتكاب أكبر مجزرة فى تاريخ الحروب.

لقد صدّق نتنياهو بالفعل على العملية العسكرية، فى تحدٍّ سافر للإرادة الأمريكية والدولية ومصر، الذين يرفضون الاجتياح العسكرى لرفح، لما يحمل من مخاطر كارثية لن تبقى ولن تذر، فالأمر خطير ولا يحتمل ميوعة المواقف، ولا أستبعد على الوحش الكامن داخل نتنياهو من الانتقام الذى يتلبسه ويُنفذ تهديده، رغم أنه لم يتمكن من الانتصار فى أى مرحلة من مراحل الحرب البرية التى يخوضها جيش الاحتلال منذ الثامن والعشرين من شهر أكتوبر الماضى، لم يحقّق فيها أى هدف من أهداف الحرب المعلنة، بل فشل فشلاً ذريعاً، ورغم ذلك يُصر على مواصلة حرب الإبادة بحق الفلسطينيين العزل!

إن صمت الدول الغربية المقيت، وتذبذب الموقف الأمريكى المتواطئ، يعطى «نتنياهو» المتعطش للدماء والقتل، الذريعة والمبرّر لإشباع شهوة الانتقام والمُضى قُدماً فى ما عقد العزم عليه، صاماً أذنيه عن التحذيرات التى يطلقها العالم ضد هذه القرارات الخرقاء، والمدعومة من أعضاء حكومته الصهيونية المتطرّفة، ومنظمة «إيباك» اليهودية الأمريكية، التى تقف سداً منيعاً أمام بايدن إذا ما فكر فى اتخاذ أى موقف من شأنه أن يُسفر عن إجراءات أمريكية جادة، تكبح جماح نتنياهو وجنون اليمين المتطرف فى إسرائيل، لإيقاف الحرب.

لقد دخلت حكومة الاحتلال وحماس، فى حلبة الصراع التفاوضى، ولا مخرج لأىٍّ منهما إلا بالاتفاق، لأن الخروج بدون اتفاق يعنى عزلة دولية خانقة لا فكاك منها. لقد كان الرد الذكى لحماس على اتفاق الإطار لصفقة تبادل الأسرى، يتضمّن فى طياته مساحة لتنازلات محدّدة ومعقولة، إزاء مختلف السيناريوهات المتوقّعة للحرب، فيما يبدو نتنياهو كأنه يمشى على حبل رفيع للغاية، مما يُرجح لدى المراقبين أن العزلة الدولية ستخنق «نتنياهو» قبل أن تخنق المقاومة الفلسطينية.

وفى النهاية لا بد للطرفين أن يصلا إلى اتفاق، إذ ترجّح كل الأوساط السياسية والإعلامية، فى الولايات المتحدة وأوروبا، وحتى فى إسرائيل، أن هذا الاتفاق سيكون مرجّحاً لكفة المقاومة الفلسطينية بشكل واضح لا لبس فيه.

أما محاولة نتنياهو ابتزاز المقاومة بالتهديد باجتياح مدينة رفح، فهى محاولة يائسة تصطدم بمعارضة شديدة من المجتمع الدولى والإدارة الأمريكية ومصر، وقبل هذا وذاك رئيس الأركان الإسرائيلى، الذى يدرك جيداً أنه لا جدوى عسكرية من اجتياح رفح، كما حدث فى كل الاجتياحات السابقة، بالإضافة إلى أنه سيثير غضباً مصرياً وإقليمياً ودولياً، لا سبيل أمام إسرائيل لمواجهته.

لا حل أمام إسرائيل إلا التسليم بالهزيمة، لكنها ستعمل على إخراج هذه الهزيمة بصورة أقل فداحة من الحقيقة، وستحاول إظهار تلك الصفقة وكأنها تمت نتيجة للضغط العسكرى، الذى مارسته على الفلسطينيين، أما حقيقة الأمر فإنه إذا وافقت حكومة «نتنياهو» على تلك الصفقة بغض النظر عن أى تعديلات تطرأ عليها، فإنها ستكتب بنفسها نهاية مرحلة، وبداية مرحلة جديدة، لن تكون لإسرائيل فيها اليد الطولى فى الشرق الأوسط.