عن اليمن السعيد.. سابقاً!

صديق يمنى مثقف همس فى أذنى منذ أيام بأنه لا يعترف بالرئيس عبدربه هادى، وأنه يرى أنه فاقد الشرعية، خاصة بعد انتهاء فترة ولايته التى تم مدها عاماً واحداً فى فبراير ٢٠١٤، وأنه عاتب على مصر أنها زجت بنفسها لتدعم شرعية رئيس لا يعترف به اليمنيون أنفسهم!! كان يمكننى أن أقبل ما قاله صديقى كحقائق مسلم بها، خاصة أننى أعلم جيداً أنه صادق ومحترم، كما أنه ليس شيعياً بل مسلم سنى، ولكن القدر ساق لى صديقاً يمنياً آخر، يصرح لى بثقة بأنه فخور بما تفعله القوات المصرية فى اليمن، وأن شرعية الرئيس هادى ينبغى أن تحترم، فلن نترك البلاد لمجموعة من الشيعة المدعومين من إيران!! إنها اللحظة التى يغيب فيها الصواب المطلق، ويظل الأمر حائراً بين الأطراف المتنازعة، ويصبح الحل العسكرى لمثل هذه الأزمات ضرباً من الحماقة والانتحار!! لا شك أن اليمن السعيد أصبح معضلة تاريخية، فلا هو بات يمناً ولا سعيداً، والكل أدرك أن التفوق الجوى والبحرى الذى حققته قوات التحالف لن ينهى المعركة، ولذا فالمعركة البرية أصبحت على الأبواب، التى تستدعى إلى ذاكرتنا تاريخاً غير محبب بالمرة! فالتاريخ يحكى أن عبدالرحمن البيضانى حين وصل من اليمن إلى القاهرة فى العام ١٩٦٢ ليستنجد بالرئيس عبدالناصر، كانت بحوزته نقاط محددة يحتاجها من القاهرة لمساعدة ثورته ضد النظام الملكى فى اليمن، كما كان يحمل تحذيرات بنقاط أخرى للجيش المصرى من بعض التصرفات التى يمكن أن تجعله ينزلق إلى معارك قد لا تناسبه، كانت النقاط التحذيرية تتمثل فى عدم الانزلاق إلى معارك جبلية غير مدروسة، كما حذر أيضاً من خروج القوات من عدن إلى باقى الأراضى اليمنية، باختصار لقد حذر البيضانى الجيش المصرى من الدخول فى معارك برية من الأساس، حيث إن التوغل البرى لم يكن مأموناً بالقدر الكافى، كما أن الطبيعة الأرضية الجبلية التى انعكست على طبائع المواطنين أنفسهم كانت ستعتبر التوغل العسكرى المصرى نوعاً آخر من الاحتلال، وسيبدأ الجميع فى مهاجمة القوات المصرية بضراوة -وهو ما حدث بالفعل- إلا أن غرور النظام المصرى المستند إلى شعبيته العربية الكبيرة، وخلفيته العسكرية جعلته يلقى بتلك التحذيرات فى الهواء، ودخلت مصر فى مستنقع اليمن -الذى يعتبر السبب الأول فى انهيار النظام الناصرى بالكامل- حتى انهار النظام تماماً عقب النكسة! الطريف أن الجميع يصرون على أن يعيد التاريخ نفسه، فالرؤية العسكرية الحالية من قوات التحالف العربى يغيب عنها ما حدث بالأمس القريب، لذا فإهمال التحذيرات التاريخية للبيضانى بات وشيكاً للمرة الثانية، وإرسال قوات برية أصبح حتمياً وقريباً للغاية! لم يكن محبباً أن تقف مصر مع فصيل ضد آخر، فاليمنيون أنفسهم منقسمون، ولا شرعية لأحد من المتنازعين هناك، حتى الرئيس عبدربه هادى نفسه هو رئيس توافقى تم اختياره لإدارة مرحلة انتقالية معينة، ولذا فالنزاع على السلطة هناك هو نزاع سياسى يحكمه أهل اليمن أنفسهم، وإذا كان لنا دور فيه فليكن دوراً محورياً للتصالح والحوار وليس لنصرة فصيل على الآخر، ينبغى أن تسارع الحكومة المصرية فى فتح أبواب الحل السياسى للأزمة اليمنية، وينبغى أن ترعى مشروعاً للتصالح والتوافق اليمنى، والاكتفاء بالقوات التأمينية للحدود السعودية المتاخمة ولباب المندب، فالتوغل البرى ليس بالنزهة البسيطة، ومعاداة الشعب اليمنى -أو جزء منه- لا تصب فى مصلحة مصر على الإطلاق على المدى البعيد، فالصورة الخارجية للنظام المصرى ستهتز كثيراً بعد أن بذل الجميع جهداً كبيراً لتحسينها. «اقرأ التاريخ.. اقرأ التاريخ.. فهناك تكمن أسرار الحكم» قالها ونستون تشرشل.. ولم يسمعه أحد!