تكريم أسر شهداء المنيا.. احتفالية كاشفة

كمال زاخر

كمال زاخر

كاتب صحفي

الحرب التى يخوضها الوطن ضد أعداء الحياة، المنذرين بالكراهية، متشعبة وعلى أصعدة متعددة، فى مواجهة مع سعيهم لكسر كبرياء الوطن، وترويعه بأعمال إرهابية تكشف عن وصولهم إلى مرحلة اليأس والفشل، وتكشف فى جانب آخر المعدن الأصيل لهذا الشعب العظيم الذى قد يمرض لكنه يبقى عصياً على الموت، وكانت جريمة استهداف المصريين بليبيا كاشفة لهذا المعنى، فالقتلة أرادوا بها شراً، وحسبوها تدشيناً لطريق الانقسام والانفجار الطائفى، كدأبهم على امتداد نصف قرن، فإذا بالحادث يفجر طاقات الوطنية والتكاتف الشعبى، وقدم العمال البسطاء صورة مبهرة لمعنى الإباء المصرى، وهم يواجهون الموت مرفوعى الرأس فى جلَد وجسارة لم يستوعبها البعض، وراحوا يبحثون عن تفسير لها فحسبوهم مخدرين بينما أجسادهم تقف فى صلابة لا يعتريها ترنح المخدرين، أو هلع الخائفين. عذر هذا البعض أنهم لم يقفوا على سر المصرى الخارج من عمق الريف والمحصن برقائق حضارة بعمر التاريخ. وفى سياق التفاعل المصرى مع هذا المشهد الرهيب الذى تدفق فى عروق الوطن بدفقات حياة تنعش الحس الوطنى وتعلو على الحزن والألم، يبادر مجلس كنائس مصر، الذى يمثل بدوره قدرة مصر على تجاوز المذهبية فيأتلف حول المشترك ويعظمه، ويدعو لحفل تكريم لأسر شهداء ليبيا من أبناء المنيا، بلد جن الإرهاب وملائكة الوطنية، فإذا بالتكريم يتحول إلى مظاهرة فى حب مصر، بعيداً عن الكلمات التقليدية، والرثاء والتأبين. «أبداً لن ننكسر»، كان العنوان الذى أكدته المشاركات، وجاءت أشعار رمزى بشارة تؤكد التحدى: «حاولوا تانى، اعملوا مليون محاولة، اللى سال دمه عشانها بيها أولى، افهموا خلاصة الحكاية، كل ظالم لِيه نهاية، مصر مش هتكون ولاية، مصر دولة». ويقف الفنان سمير الإسكندرانى لتلتهب معه الاحتفالية وهو يسترجع أهازيجه الوطنية التى تجمع مصر بلدى والمجتمع والناس، يستحث الشارع والشباب على العمل والاستنارة والتضحية، ليصبح شمعة تنير، وقوة تدير عجلة الإنتاج. كم أنت رائعة يا مصر، بأهلك وناسك، وعندما يقف أهالى الشهداء أمام الميكروفون وفى مواجهة عيون الفضائيات، تنساب الكلمات البسيطة التى لا تعرف الانتقائية لترسم لوحة حب تغطى فضاء الوطن، يقول والد أحد الشهداء: «ابنى اختار السما، هنيّاله، واحنا بنصلى عشان اللى قتلوه ربنا يفتح عينيهم ويهديهم»، ويعقبه كاهن القرية التى قدمت هؤلاء الشهداء، وهو ابن عم أربعة من الشهداء إضافة إلى ابن اخيه، لنكتشف فيه نموذجاً لرجل الدين المستنير الذى تنساب النعمة من شفتيه بموضوعية وقوة وكأننا أمام محاضر فى كلية اللاهوت، لندرك سر ثبات وقوة وإيمان هؤلاء الشهداء، بعيداً عن ملاسنات العاصمة وزيفها، ونضع أيدينا على الكنيسة الحقيقية التى لم تُختطف إلى التسطيح، هناك التعليم الذى ننشده والتلمذة الصحيحة على الإنجيل والآباء، فى لغة رصينة صحيحة يتوارى إزاءها خجلاً من ملأوا الدنيا ضجيجاً بأطروحاتهم الساذجة وقضاياهم الذاتية، وانحيازاتهم الضيقة، فى غياب المسيح. يقف مندوب شيخ الأزهر ليعيد الاعتبار لمعنى الاندماج الوطنى، ولدور رجل الدين الإسلامى، ويطلق العنان لمصريته لتجمع ما سعى الإرهاب والتطرف لتفريقه وتشتيته، تقاطعه زخات التصفيق الهادرة وهى تتابع كلماته الصادقة ومشاعره الجياشة. لم تكن مجرد احتفالية لتكريم أسر الشهداء فى لحظة قاسية، ولم تكن محاولة للتخفيف عنهم وحسب، لكنها كانت رسالة وطنية فى لحظة فارقة تؤكد أن النسيج المصرى لديه مقومات البقاء والمقاومة، وأن ريف مصر وصعيده سر قوتها بناسها وقيمها وإيمانها، وعلى المستوى الشخصى كنت بحاجة إلى إعادة شحن قواى الوطنية عبر أهلى وناسى الأصلاء.. نعم مصر بخير.