جعفر العمدة تحت وصاية الإمام الشافعى

لماذا أبكى؟، أود أن أصرخ فى وجه القاضى وأقول نيابة عن حنان ما أشاء، أحاول تلقينها ما يجب أن تتلوه من حيل قانونية قد تساعدها فى الإفلات هذه المرة، فتحول بينى وبينها شاشة التليفزيون، أنظر يميناً ويساراً فإذا بصغارى وزوجى إلى جوارى، أنتبه إلى الدموع التى تنسال من عينى وتشاركنى فيها صغيرتى، بكت لبكاء «ياسين»، فطنت لقوله «مش هيبقى أبويا وأمى كمان»، فارتمت بين ذراعى باكية صارخة داعية «ربنا يخليكوا لينا».

آه لو امتلكت قوة جعفر وهو يكيل لشوقى فتح الله اللكمات والضربات، لن أكون بغشومية سيد، لن أُسدّد نيران صديقة لمن أحبهم، سأختار أين تذهب قبضتى؟ لن أندم على فعلها أبداً، فهناك دوماً من يستحقون «العركة»، لكن بقانون جعفر «شرف ورجولة»، وهناك دوماً من يستحقون مصير «دلال»، فقط ينير المولى بصيرتنا كى نراهم.. لكن القوة لا تُنهى كل شىء، حنان -على سبيل المثال- لن تعيد لها قوة جعفر صغارها، هى تحتاج إلى قوة أكبر، تُحقق لها «عدل الله» بقوة القانون.

ليست القوة وحدها، القدرة أيضاً لها مفعول السحر، والقدرة فى العقل واللسان أيضاً، لم يكن الإمام الشافعى قوياً، لم ينازل أحدهم، لم يخلع عن يديه الأصفاد، لم يهرب من سجنه، ويقاوم دعاة الجهل، جلس واستكان وأطلق عليهم لسانه بحجته ومنطقه، فاستمال الجميع، قاومه البعض لكنهم لم يقاوموا كلماته.. أرى نفسى فيه، أقف موضعه وأبرئ قلبى من الهوى، أختار مواقفه وحِكمه وأشعاره، ولا أجد حولى من ينصت، أنسلخ من واقعى إلى عصره، ولا أعود إلا مع تتر النهاية، دون يقين أننى عدت.

أجلس إلى نفسى وقد شطح الخيال، ماذا لو وقع جعفر العمدة تحت وصاية الإمام الشافعى؟.. ليس مسلسلاً جديداً، ولا دراما من وحى الخيال، هل تلين القوة حين تقع تحت وصاية القدرة، ماذا لو اجتمعا معاً، القدرة والقوة؟.. أجد نفسى فى الكتيبة 101، كلنا نحب نور، رمز ما يجب أن يكون، لكننى لا أحب أن أكون أماً لنور، كل أم لضابط تعيش الفخر والرعب معاً، تضحى من أجل وطنها بالغالى والعزيز، لكن الضنا صعب.. كلما شاهدت أماً لشهيد بكيتها، لا تقل عن ضناها فى البطولة، هو يصعد أعلى السماوات فى مرتبة لا يقاربه فيها أحد، وتظل هى على قيد الحياة بلا روح. أتوقف أمام بعض المشاهد والحلقات، كيف مرت على أسر الأبطال الحقيقيين؟، كيف عاشوا الألم وعاشوا تجسيده درامياً؟، كيف كنا نحن وكيف أصبحنا بعد زوال الخطر؟.. أفكار عدة تتداخل، تنتهى بفاتحة الكتاب لكل شهداء الوطن، ودعاء فى ركعة التراويح «اللهم احفظ مصر وشعبها»

هذا جزء من كل فعلته بى الدراما، عوالم موازية عشتها بطلة، وقفت فى وجه كل الخصوم، واجهتهم وأكملت الناقص فى السيناريو، تخيلت نهايات وتوقعت تطورات للأحداث، وتبادلت المواقع مع بقية الأبطال، وطابقت بين الواقع والدراما، لدى كشف طويل بأسماء «دلال ووداد ونعيم وصفصف وحنان وسيد ومربوحة ونور» فى حياتى، دونت على الهامش الخلاصة والدروس المستفادة، وتمنيت أن أرى حنان بعد تغيير القانون «وسيتغير»، أن أرى جعفر بعد انتهاء تجارته المحرّمة، وأن يأتينى الإمام الشافعى ليعيش بيننا.

أتخيل أن كلاً منا رأى نفسه فى رمضان، فى الجرعة الدرامية التى حملت شعار الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، قد نختلف فى بعض التفاصيل.. «ترشيح أدوار، تنفيذ مشاهد، جمل حوار» لكن يظل الفعل برمته نقطة اتفاق؛ فعل «المتحدة» التى أعادت الأسرة المصرية من جديد حول شاشة التليفزيون، والتى وضعت فى أهدافها كل فئات المتلقين وأنواعهم المختلفة؛ والتى جعلت القضايا تتباين فى نهايتها بين الحالم والواقعى، فلا نفسد الواقع بالأحلام، ولا ننفصل حالمين عن الواقع، والتى آمنت بأن الدراما ترفيه هادف، وتسلية واعية، وأن القوى الناعمة والفن هو منبر لكل الرسالات.