«لوكانيكوس» يثير اهتمام العالم!

عماد فؤاد

عماد فؤاد

كاتب صحفي

مصر ليست استثناءً من تلك الظاهرة التى تصاحب اندلاع الثورات أو قيام الانتفاضات أو حتى الهبات الجماهيرية، فمن المعتاد أن يتصدّر المشهد أتفه أنواع البشر، ويقدّم نفسه كبطل، وفى الحقيقة هو بلا قيمة تذكر، إن فتّشت فى عقله لن تجد إلا الفراغ، وإن تتبّعت ماضيه ستُدهشك تفاصيله التافهة، وحاضره لا يُكشف إلا عن انتهازى بامتياز يتحين الفرص لركوب الموجة -أى موجة والسلام- ولا يدهشك إلا وجود من يصدقونه، وإن شئنا الدقة وجود «ألاضيش» يتمسّحون فيه كنموذج حقّق بعض الشهرة ولو كانت زائفة.

فى مصر رأينا -وما زلنا- هؤلاء، ولأن المثل الدارج «اللى يشوف بلاوى الناس تهون عليه بلوته»، فإننا فى قلب ظاهرة أطرافها فى الأول والآخر بشر مثلنا، ولم يكن من بينهم حيوان.

وحتى لا يبلغ الشطط مداه، أو يتخيل البعض أننى أقصد شخصاً ما، ولأن الواقع أحياناً يكون أكثر دهشة من الخيال، دعونا نذهب إلى بيت القصيد.

فى عام 2008، اندلعت فى العاصمة اليونانية «أثينا» أحداث شغب عقب مقتل صبى يبلغ من العمر 15 عاماً يُدعى «ألكسندروس جريجروبولوس»، كان فى طريقه للاحتفال بعيد ميلاد أحد أصدقائه، واشتبه فيه ضابط شرطة، وأطلق عليه رصاصة أسقطته قتيلاً، وفوراً اندلعت أعمال عنف شديدة، واندفع المحتجون فى تدمير المتاجر والهجوم على البنوك، وألقوا بزجاجات المولوتوف على قوات الشرطة، ورشقوها بالحجارة، وشهدت مدن يونانية أخرى، من بينها جزيرتا «كريت» و«كورفو» السياحيتان مظاهرات مماثلة تم وصفها بالأسوأ التى اجتاحت اليونان منذ عشرات السنين.

شارك فى مظاهرات العاصمة الشاب «أشيلياس آدم»، مصطحباً كلبه، ويُدعى «لوكانيكوس».شارك «لوكانيكوس» فى المظاهرات، وذاعت شهرته، إلى حد اختياره من مجلة «تايم» الأمريكية ضمن أهم شخصيات عام 2011، وغنّى المغنى الأمريكى «ديفيد روفيكس» أغنية بعنوان «كلب المظاهرات»، مصحوبة بفيديو فيه رسوم متحركة، وامتلأت حوائط مدن اليونان بصور جرافيتى لـ«لوكانيكوس»، وهكذا انطلق «الكلب» إلى العالمية، برعاية الإعلام الأمريكى، واستمر بالمشاركة فى التظاهرات والاحتجاجات التى اندلعت فى اليونان بعد ذلك فى عام 2012، ضد سياسات صندوق النقد الدولى، التى فرضت تطبيق سياسات التقشُّف اقتصاديا.

وتحول الحيوان إلى بطل رغم أنه لم يملك من أمره سوى النّباح الذى استمر حتى وفاته فى أكتوبر عام 2014، واجتاحت موجة من الحزن مواقع التواصل الاجتماعى، ونعاه الناشطون والحقوقيون بالدمع الهتون، وأطلق عليه البعض عدة ألقاب ما أنزل الله بها من سلطان، ومن بينها «الأسطورة»، و«كلب الانتفاضة»، و«الكلب الثورى»!

هكذا تحول كلب فى أعين البعض إلى «بطل» لمجرد أنه اعتاد «النباح» وفقط فى وجه قوات الشرطة، كان «لوكانيكوس» ينبح وهو فى يد صاحبه يوجهه أينما شاء، وهو لا يدرك من الواقع شيئاً، لكنه استمر فى النباح إلى أن مات.

الكلب «لوكانيكوس» لم يكن الأول، ولن يكون الأخير الذى يتحول إلى بطل ثورى فى هذا العالم الذى تُسيطر على أجوائه وسائل التواصل الاجتماعى، مثل «فيس بوك» وغيره، ووسائل إعلام غربية، مثل «تايم» الأمريكية، و«بى بى سى» البريطانية.

سيرة الكلب «لوكانيكوس» قد تكون عبرة لمن لا يعتبر، ولعل البعض يعى الدرس، ولكن أخشى أن يكون بيننا من يقرأ التاريخ ولا يفهم منه شيئاً.

يقول الشاعر العراقى أحمد مطر: قد أنسوكم كل التاريخ وكل القيم العلوية.. أسفى أن تخرج أجيال لا تفهم معنى الحرية.. لا تملك سيفاً أو قلماً لا تحمل فكراً وهوية.