انتفاضة «التيك توك».. كابوس يؤرق إسرائيل

جيهان فوزى

جيهان فوزى

كاتب صحفي

سلسة العمليات الميدانية الفردية التى يشنها الشبان الفلسطينيون فى الضفة الغربية على جنود الاحتلال الإسرائيلى تؤرق مضجعها، وباتت تهدد أمنها، منذ شهور عدة لم تتوقف الهجمات الفلسطينية والعمليات المسلحة فى الضفة الغربية ضد الجنود والمواقع الإسرائيلية العسكرية، ما بين عمليات طعن أو إطلاق نار أو دهس، الأمر الذى ينذر بانفجار قريب، ومخاوف لدى القيادات العسكرية والأمنية فى إسرائيل بأن الأمر لم يعد مجرد عمليات فردية هنا أو هناك، سرعان ما تخبو، ومن ثم تنتهى مثلما كان يحدث فى السنوات الماضية.

هناك مخاوف من أن شن عملية عسكرية فى الضفة الغربية على غرار عملية السور الواقى التى شنتها إسرائيل على قطاع غزة فى عام 2002، من شأنها أن تحقق نتائج عكسية، فى ظل مؤشرات تؤكد أن انتفاضة جديدة تلوح فى الأفق، فى ظل الاحتجاجات المستمرة التى طالت معظم مدن الضفة الغربية، وبالذات الشمالية منها مثل جنين ونابلس.

ورغم أن المسئولين فى جهاز الأمن الإسرائيلى يواسون أنفسهم حالياً بأن ظهور عناصر المقاومة لا يشمل كل مدن الضفة الغربية ويتركز فقط فى شمالها، خاصة جنين التى فقدت فيها السلطة الفلسطينية سيطرتها تماماً، إلا أن المخاوف من اندلاع انتفاضة شاملة فى الضفة الغربية بدأت تؤرق أجهزة الأمن الإسرائيلية وتحذر منها منذ فترة ليست بالقصيرة، خاصة بعد سقوط شهداء فلسطينيين، وصل إلى 100 شهيد منذ بداية العام، وهو العدد الأكبر منذ عام 2015، مما يزيد من رغبة الانتقام لدى الفلسطينيين، فكل عملية ناجحة ستجر وراءها عمليات إضافية بإلهامها، ولهذا لا يمكن الجزم بإمكانية نجاح كسر الدائرة الناشئة حالياً.

القيادة العسكرية والأمنية فى إسرائيل اعتبرت موجة العنف الحالية، والعمليات التى حصدت أرواح إسرائيليين خلال الشهور الأخيرة، أضف إليها إطلاق الرصاص على المجندة فى الجيش الإسرائيلى التى وقعت فى القدس يوم السبت الماضى، كلها عمليات تتسم بطابع جديد ومختلف، يجب التعاطى معها بشكل مختلف بالضرورة، وربما تفكر فى شن عملية عسكرية واسعة النطاق فى الضفة الغربية على غرار عملية «السور الواقى» تحت مسمى «السور الواقى 2»، لكنها مجازفة غير مسئولة، لأنه بالضرورة أن تنضم الفصائل الفلسطينية المقاومة إلى ساحة الاشتباك.

وتتحول الأمور إلى انتفاضة ثالثة لا يمكن توقع نتائجها، فى ضوء تفاعل السوشيال ميديا مع كل عملية مسلحة فلسطينية، حتى إن صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية، وصفت ما يحدث من تصاعد وتيرة العمليات الانتقامية الفلسطينية المسلحة بتحريض أساسه تطبيق «تيك توك»، ومن ثم وصفت الوضع الحالى بـ«انتفاضة تيك توك»، إذ تنفذ العمليات الأخيرة من قبل شبان أعمارهم لا تتجاوز العشرين عاماً، مستهدفين قوات الأمن والجيش وحرس الحدود، بالدرجة الأولى، وقد بدأ التصعيد أو انتفاضة التيك توك كما سمته الصحيفة فى الضفة الغربية ولا سيما القدس الشرقية قبل عملية «حارس الأسوار» فى مايو 2021.

لقد اعتاد الشبان الفلسطينيون، توثيق مهاجمتهم للمستوطنين اليهود، بغرض نشر مقاطع الفيديو عبر التطبيق المُشار إليه.

ويدفع انتشار مقاطع الفيديو عبر التطبيق المخصص لمشاركة مثل هذه المقاطع القصيرة، المزيد من الشبان إلى محاكاة نظرائهم، على اعتبار أن ما يحدث إنما يندرج تحت ظاهرة عالمية، حين يقوم الشبان بنشر مقاطع فيديو أثناء احتجاجاتهم، حتى على قيود جائحة كورونا.

إن الدعوة لتنفيذ عملية «السور الواقى 2» رغم تعالى المطالبات بها فى إسرائيل، إلا أنها غير مطروحة كأولوية، لأنها تعنى الاحتكاك المتزايد والكثير من الضحايا بين الفلسطينيين، الأمر الذى سيفاقم الأوضاع.

فعملية عسكرية واسعة بالضفة الغربية لن تردع الشبان الفلسطينيين ولن توقف انتفاضة «التيك توك»، لكنها ستعنى خطر انضمام غالبية الفلسطينيين إليها لتتحول إلى انتفاضة حقيقية.

حتى إن الإجراءات البديلة التى يطرحها المعارضون لتنفيذ عملية عسكرية واسعة فى الضفة الغربية لن تكون مجدية، لأن فرض الإغلاق والحصار على بلدات فلسطينية يشكل سكانها الشباب المفجر الرئيسى لمواجهة العنف، خاصة على مواقع التواصل الاجتماعي، سيكون فشلاً آخر لأجهزة الأمن الإسرائيلية.

فقد أثبت الحصار والعزلة التي فرضت على قطاع غزة منذ أكثر من 15 عاما، فشلها فى تحجيم المقاومة والصمود أمام عدوان الاحتلال، حتى وإن خفف من الاحتكاك المباشر مع قوات الاحتلال، فإن خطوات من هذا النوع ستؤدى إلى معاناة آلاف الفلسطينيين الذين لن يتمكنوا من كسب قوت يومهم، ما سيعنى المزيد من الشحذ والغضب لدى الشباب ويزيد من دوافع الاستمرار فى المقاومة، على عكس توقعات إسرائيل، فكل المؤشرات تتجه إلى توقع انفجار وشيك فى الضفة الغربية.