النبي و«علم الغيب»
رغم ما تحتشد به كتب السيرة من روايات وحكايات تشهد للنبي بتوقع بعض الأحداث المستقبلية، خصوصاً فيما يتعلق بالصراعات التي ستحدث بين الصحابة، إلا أن القرآن رسم صورة مخالفة له صلى الله عليه وسلم، فقد نفى عنه تماماً معرفة الغيب أو القدرة على توقع الآتي.
من نماذج التوقعات المستقبلية التي اشتملت عليها كتب السيرة توقع النبي أن يقاتل الزبير بن العوام علياً بن أبي طالب وهو له ظالم، وتوقعه بمقتل حفيده الحسين في أرض كرب وبلاء، وتوقعه بان تنقسم الأمة على عدة فرق، من بينها فرقة واحدة ناجية، وتوقعه بأن يظهر على رأس كل مائة عام من يجدد للإسلام شبابه، يضاف إلى ذلك الأحاديث المتعلقة بالمهدي المنتظر وأوان ظهوره، وغير ذلك.
وقد مدد البعض خط التوقعات إلى علي بن أبي طالب، ونسب إليه العديد من النبوءات المتعلقة بآخر الزمان.
في المقابل نفى القرآن الكريم على لسان النبي أي معرفة له بالغيب، فقد جاء في الكتاب قوله تعالى: "قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لفوم يؤمنون". وقال تعالى: "قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك".
فمحمد صلى الله عليه وسلم لم يزعم لنفسه معرفة الغيب، وتجربته في تبليغ رسالة ربه تشهد على أنه لم يعتمد على أية خوارق تتجاوز قوانين الطبيعة، فجوهر المعجزة في رسالته هو عقلانيتها، وتناغم قيمها مع المنطق والذوق الإنساني السليم.
وقد اختص الخالق نفسه بعلم الغيب.
يقول تعالى: "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو".. كما اختص نفسه بعلم الساعة فيقول: "إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير".
من الوارد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد توقع بعض الأحداث، ليس من باب علمه بالغيب، ولكن من باب التحليل واستخلاص النتائج من المقدمات. فالنبي كان لديه وعي كامل بأصحابه والتركيبة النفسية والإنسانية لكل منهم، كما كان مدركاً للظروف التي سيترك المسلمين فيها بعد صعوده إلى الرفيق الأعلى، وكان صلى الله عليه وسلم يمتلك حكمة عميقة في النظر إلى أمور الحياة والأحياء، وعلينا أيضاً أن ننتبه إلى أن الله تعالى هو من علمه: "وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً"، هذه العوامل بإمكانها أن تفسر لك بعض التوقعات المستقبلية التي نسبت إلى النبي.
فهي عبارة عن استنتاجات عقلانية قائمة على الربط بين سلاسل الأحداث وتوقع مآلاتها المستقبلية.الصورة التي رسمها القرآن الكريم للنبي هي صورة إنسان يتمتع بأهم ملكة يمكن أن تمكن الإنسان من الحياة، إنها ملكة "الخلق العظيم".
يقول الله تعالى: "وإنك على خلق عظيم"، فحين تتمكن الأخلاق العظيمة من إنسان فإنها تصرفه عن سفاسف الأمور وتوافهها وتدفعه إلى تجاوز العالم للبحث فيما وراء العالم، وينتقل من مرحلة البصر إلى مرحلة البصيرة.