المؤرخ الفني محمد شوقي: إبداع بليغ حمدي لم يقيم بشكل كامل.. وأم كلثوم صنعت اسمه (حوار)

المؤرخ الفني محمد شوقي: إبداع بليغ حمدي لم يقيم بشكل كامل.. وأم كلثوم صنعت اسمه (حوار)
صنع لنفسه هالة ووضع اسمه بين الكبار حتى أصبح يشار إلى كل أعماله بالبنان، كانت حياته لا تختلف عن فنه مليئة بالنجاحات، وبين حياة فنية بالغة الألق وحياة أسرية بالغة الألم، عاش بليغ حمدي.
«الوطن» حاورت الدكتور محمد شوقي، المؤرخ الفني، للحديث عن الموسيقار الكبير بليغ حمدي في ذكرى ميلاده التي توافق اليوم، وإلى نص الحوار..
هل جرى تقييم أعمال بليغ حمدي بشكل كامل؟
بليغ حمدي لم يقيم التقييم الأمثل، ولم تقيم له سوى بعض الأغنيات التي لحنها لوردة أو عبدالحليم حافظ أو بعض أغنيات أم كلثوم، وأرى أن جرأته بدأت بعد أغنية «أنت عمري» التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب لـ أم كلثوم، فقد عمل بليغ مع أم كلثوم قبل أغنية «أنت عمري»، ولحن «حب إيه»، «أنساك»، «كل ليلة وكل يوم»، و«أنا وأنت ظلمنا الحب»، ثم جاءت أغنية «أنت عمري» لـ عبدالوهاب سنة 1964، وبعدها مباشرة اختلفت أعمال بليغ حمدي مع أم كلثوم، فبعد الأغنية كان الاختلاف الأول بأغنية «سيرة الحب»، فبدأ بليغ بتطوير أعماله وأصبحت أغانيه مع أم كلثوم بليغية وليست كلثومية، حتى أن الشاعر الكبير صلاح جاهين كتب في «أخبار اليوم» أن أغنية «سيرة الحب» هي المراهقة الصغيرة لـ«أنت عمري»، مما أزعج أم كلثوم، وجعلها تمنع صلاح جاهين من الكتابة لمدة 3 أشهر في «أخبار اليوم» لأن أم كلثوم كانت ضد النقد في هذه الفترة.
وبعد ذلك توالت إبداعات بليغ مع أم كلثوم والتي تمثلت في «بعيد عنك حياتي عذاب»، «فات المعاد»، «ألف ليلة وليلة»، «الحب كله».
كيف بدأت علاقة بليغ بـ وردة؟
بدأت علاقتهما أثناء عمله بأغنية «بعيد عنك حياتي عذاب»، التي كان يعشقها عشقا لا يوصف، وهو ما أوصله إلى التفكير في الانتحار عندما رفض أهلها زواجهما في البداية، و«عمل أغنية بعيد عنك مع مأمون الشناوي، مخصوص عشان تغنيها وردة، لكن سافرت وأهلها جوزوها في الفترة دي»، فذهب بالأغنية لأم كلثوم وأعجبت بها للغاية فغناها أمامها وهو يبكي، وخاصة الكوبليه الأخير، «كنت بشتاقلك وأنا وأنت هنا، بيني وبينك خطوتين».
وأحست أم كلثوم أن الأغنية رسائل موجهة لحبيبته «وردة»، فقالت له: «أنت يا واد عاملني كوبري، وهذا كان السبب الذي كتبت له أغنية بعيد عنك حبيبي عذاب، وخصوصا الكوبليه الأخير، لدرجة أن كل من يرغب في غناء الأغنية يختار دائما الكوبليه الأخير منها».
كيف ساهم محمد عبدالوهاب في إطلاق إبداع بليغ حمدي؟
بليغ تفوق على عبدالوهاب، بعد أن فتح الأخير الباب له بأغنية «أنت عمري»، ولم تستطع أم كلثوم بعد ذلك أن تغني لـ رياض السنباطي، «مغنتش غير الأطلال فقط له، وكان يستطيع زكريا أحمد مواكبة بليغ، لأنه كان متجددا، وآخر ما غنت أم كلثوم لـ زكريا أحمد أغنية هو صحيح الهوى غلاب سنة 1960، ثم مات بعد ذلك».
وأرى أن عبدالوهاب جرأ بليغ وعندما جرأه تفوق بليغ عليه، بدليل أن محمد رشدي وعفاف راضي هما المطربان اللذان لم يتعاونا مع عبدالوهاب نهائيا. «عندما رغب محمد رشدي في أن يغني من ألحان عبدالوهاب قال له: مينفعش أشتغل معاك بعد اللي أنت عملته مع بليغ حمدي، أنت كدا عايز توقعني يا رشدي».
فمحمد رشدي وعفاف راضي هما صنيعة بليغ حمدي، أما وردة فاستفادت بشكل كبير جدا من بليغ لكنها لم تقيد نفسها به، فقد غنت لعبد الوهاب والموجي وكمال الطويل ومنير مراد وعمار الشريعي وحلمي بكر، وقدمت معهم جميعا إبداعات، أما رشدي وعفاف راضي فـ90% من إبداعاتهما مع بليغ حمدي.
وعندما قدم عبدالحليم حافظ بليغ حمدي في أغنية موعود على المسرح، قال إن الأغنية من ألحان الموسيقار بليغ حمدي، أمل الموسيقى في مصر، فغضب عبدالوهاب جدا.
كيف ترى الخلاف بين بليغ وحليم؟
حدثت خلافات كثيرة بين بليغ وعبدالحليم، فكان عبدالحليم يرغب في احتكار بليغ حمدي فلا يلحن إلا له، إلا أن شخصية بليغ حمدي تأبى أن تكون أسيرة لأحد، وكثير من الألحان كان يرغب عبدالحليم في غنائها إلا أن بليغ منح هذه الألحان لمغنيين آخرين، منها لحن لشادية مما أغضبه للغاية.
وفي إحدى المرات تحدث عبدالحليم مع بليغ بطريقة سيئة أمام عدد من الأشخاص فغضب بليغ حمدي من هذا الأمر وأرسل خطابا لعبد الحليم طالبه فيه بعدم الحديث معه خلال هذه الفترة لأنه لم يحب طريقته، وفي هذه الفترة تحديدا صنع بليغ نجومية محمد رشدي، وأخرج طاقته مع فنانين آخرين، وكان عبدالحليم حينها في المغرب وعندما عاد وجد أن أغاني رشدي انتشرت انتشارا مهولا، فذهب إلى بليغ واعتذر له، وأخذ منه لحن أغنية «أنا كل مقول التوبة»، والتي كان من المفترض أن يغنيها محمد رشدي.
كيف عمل بليغ على الأغاني التراثية؟
أعاد بليغ اكتشاف التراث من جديد، فأغنية «على حسب وداد» من التراث، وأضاف إليها، وكذلك أغنية «سَلَم عليّ» من التراث وعنتها «نجاة» ولحنها بشكل مختلف.
فكان يستطيع أن يلحن أي لحن بشكل مبهر، وهذا ما دفع عبدالحليم إلى الإسراع بالصلح معه وترضيته، وكان عبدالحليم ذكيا للغاية وأدرك أن الأغنية الشعبية تسيطر على الساحة، فغنى «أنا كل مقول التوبة» و«سواح» و«على حسب وداد قلبي يا بوي»، وتفوق عبدالحليم بسبب بليغ، وبسب بليغ لم يكن هناك منافس على الساحة لعبدالحليم إلا محمد رشدي الذي هو صنيعة بليغ حمدي، وهو ما ذكره محمد رشدي نفسه في أحد اللقاءات التليفزيونية، وبعد ذلك كان عبدالحليم يصطحب رشدي معه في سفرياته، ويقول له: «تعالى غني معايا، لأنه مكنش عايز يسيبه في مصر يرجع يلاقيه مغني أغاني تكسر الدنيا، فكان عايزه دايما تحت عينه، وكان ذلك بسبب بليغ وليس رشدي نفسه».
هل يمكن أن نقول إنه تم اكتشاف كل موسيقى بليغ حمدي؟
قطعا لا، ما زال له أغاني أخرى لم تكتشف ولم تأخذ الاهتمام الأمثل، فهناك أغانٍ لـ«شادية» جميلة للغاية لكن لم تحظ بالاهتمام الأمثل، وكذلك «نجاة» وبعض أغاني فايزة أحمد، ووردة، فله إبداعات لم تأخذ حقها إلى الآن وسط «هوجة» الأغاني الأخرى، إلى جانب الوطنيات التي برع فيها سواء يا حبيبتي يا مصر لشادية وأنا على الربابة بغني لوردة، وفدائي لحليم وإنا فدائيون لأم كلثوم.
وكذلك عندما لحن أغانٍ دينية لـ النقشبندي، لم يصدق أحد أن النقشبندي من المكن أن يجتمع ببليغ، حتى أن وجدي الحكيم رئيس الإذاعة حينها، قال إننا لم نكن مصدقين أن يجتمع بليغ والنقشبندي معا.
ابن شقيقة بليغ حمدي قال في حوار سابق لـ«الوطن» إن بليغ أعاد إحياء أم كلثوم.. كيف ترى ذلك؟
أم كلثوم هي من صنعت اسم بليغ حمدي، وليس صحيحا ما يقال إنه أعاد إحياءها، أم كلثوم كانت وما زالت أسطورة، فوالدة بليغ طردته من المنزل ولم تقتنع بفنه، وقالت له إنها لن تعترف بفنه إلا بعد أن يلحن لأم كلثوم، فذهب لمحمد فوزي وحكى له ما حدث.
فلم يلحن بليغ أغانٍ هامة قبل مرحلة أم كلثوم، وعمل مع كلثوم بأغنية «حب إيه» سنة 1960، ثم تبناه محمد فوزي ورعاه.
كيف كان يرى الموسيقيين الآخرين؟
كان عاشقا لفريد الأطرش، بسبب فيلم «حبيب العمر» عام 1947 وكان يشاهد الفيلم وهو ما زال طالبا، حتى أنه قال إنهم كطلاب كانوا يقيسون نجاح الفيلم بمقارنته بفيلم حبيب العمر لفريد الأطرش.
وألف كتابا عن موسيقى فريد الأطرش، وكان يقول عنه إنه كان موسيقي مختلف عن كل الموسيقيين الآخرين على الساحة، وكان عاشقا لمحمد القصبجي بسبب أغنية «قلبي دليلي»، وقال إنه تعلم من الأغنية ما لم يتعلمه من أحد، وهؤلاء هم أساتذته.
ويعد القصبجي أكثر المؤثرين به وكان يراه ملهما ومجددا، وإذا قلنا أن هناك من أعاد إحياء أم كلثوم فهو القصبجي وليس بليغ. وكان يرى في كل موسيقي طابعا مختلفا، ويمكن أن نقول إن بليغ جدد من شباب أم كلثوم.
كيف ترى أعماله خارج مصر؟
أعماله في الخليج لم تكن ناجحة، ونجح مع وديع الصافي، كما لحن إبداعات مع سميرة سعيد ولطيفة وعلي الحجار وهاني شاكر وهي المجموعة الجديدة في زمنه، وأبدع في أغاني المسلسلات كبوابة الحلواني، وكان تلحينه لأي فنان شباب هو شهادة ميلاد له، واستطاع أن يترك بصمته على كل صوت عمل معه.
مَن من الفنانين كان يرغب في التلحين له؟
كان يحلم بالعمل مع 3 أصوات، ليلى مراد وفيروز وأسمهان، وعمل مع ليلى مراد بالفعل لكن لم يكن صوت ليلى مراد بالقوة الكافية والوهج في شبابها، وكان يتمنى أن يكون معها في أيام مجدها، لكن لم يسعفه الحظ.
هل كان سعيد الحظ في حياته؟
كان سعيد الحظ في عمله وكان إنتاجه غزيرا للغاية فنحو 75% من إنتاجه يمكن تصنيفه أنه فوق الممتاز، «دايما الشغل الكتير مش بيطلع نجاحات قوية، إلا أنه كان عكس ذلك»، لذلك كان سعيد الحظ فنيا، أما على الجانب الأسري فلم يكن سعيد الحظ إطلاقا، وظُلم كثيرا، وكان يجمع بين الطيبة والعطف، وكرمه وضعه مطمعا لغيره، ولم يكن سعيد الحظ حتى في زواجه من وردة، حتى أن عبدالحيم حافظ راهن الجميع أن زواج بليغ من وردة سيفشل، و«كان خايف إنها تاخده منه، وعمل المستحيل عشان يخليه الملحن الخاص بيه لكنه نفد منه ولم يلحن له سوى 28 لحنا فقط، ولو كان استمر بليغ في التلحين لعبدالحيم لأصبح 90% من إنتاج عبدالحليم لبليغ حمدي».
هل كُرِم التكريم المناسب؟
بليغ لم يكرم نهائيا، وكان من المفترض أن يطلق اسمه على شارع رئيسي بالقاهرة أو يوضع له تمثال كبير في مسقط رأسه، أو بقاعة كبرى بقاعات دار الأوبرا، وأرى أن هناك فنانين أكبر من أي تكريم منهم بليغ، فكل لحن له يسمع يوميا هو تكريم، ويكرم من الأجيال الجديدة التي تدرس موسيقاه.
دائما ما يكون المطرب أشهر من الملحن إلا في حالة بليغ حمدي، فشهرته تجاوزت شهرة بعض ممن لحن لهم.
كيف ترى الألحان في الوقت الحالي؟
الألحان في الوقت الحالي أصبحت صناعية، وأصبحت نسبة الإبداع فيها قليلة للغاية، وأصبحت الحرفة أكبر من الإبداع، فوسائل التكنولوجيا التي طورت التوزيع الموسيقي ذهبت بالإبداع، ومهما كانت الأغنية جميلة فهي لا تعيش كالأغاني القديمة.
لماذا لم يعمل بليغ في السينما؟
المخرج حسين كمال عرض كثيرا على بليغ بطولة أكثر من فيلم لكنه كان يهرب منه، لدرجة أنه وافق ووقع العقد ثم هرب إلى بيروت، وكان يخاف من الوقوف أمام الكاميرا.