اتكلم براحتك .. مكافأة نهاية الخدمة وعذاب الضمير

كتب: رنا حمدي

اتكلم براحتك .. مكافأة نهاية الخدمة وعذاب الضمير

اتكلم براحتك .. مكافأة نهاية الخدمة وعذاب الضمير

أكثر من عشرين عاماً مرت علىّ وضميرى فيها لا يستريح لحظة واحدة، كلما نظرت إليها ورأيتها أمامى تكبر يوماً بعد يوم، تنمو وتطول وتستدير، يغلفها ذلك الجمال الهادئ، ألوم نفسى بشدة حين أتذكر كيف كدت أنبذها ذات يوم وألقيها بعيداً عنى، أبتعد فى الزمن لسنوات طويلة مرت.. فأرانى شاباً يافعاً أطلب يد إحدى الجارات لتقاسمنى حلو أيامها ومرها، شابة جميلة ذات أصل وحسب، يتفقان مع أصولى البسيطة وحسَبى المتواضع، كلانا أبناء طبقة تزحف ببطء إلى أسفل السلم الاجتماعى، وكلانا وجد فى الآخر ما يريحه ليقبل على مشروع الزواج بنفس راضية، رغم قلة الإمكانيات وضيق ذات اليد.

لم أقصّر من جهتى فى فرش منزل الزوجية، أعد نفسى بحياة مستقرة هانئة، أسرح بخيالى لأرى أطفالاً يتقافزون بين الغرف الضيقة، وأنا أصرخ فيهم: «يعنى الواحد مايعرفش يستريح فى البيت ده؟»، لا يتوقفون عن صخبهم فأنقل ميدان المعركة لأواجه أمهم: «سَكِّتى العيال دول ولا أرميهم لك فى الشارع»، تضحك، وهى تشير إلى أحدهم «الجن المصوّر» الذى لا يكف عن الحركة: «ربنا يحميهم ويحفظهم، هو إحنا بنلاقيهم فى الشارع عشان نرميهم فيه؟».

سريعاً كشريط السينما مرت أيام الزواج الأولى، سعادة ما بعدها سعادة، انتظرت لأسمع الخبر الذى كنت أتحرق شوقاً إليه، لكنه تأخر، أستيقظ فى بعض الأيام لأرى زوجتى بعينين منتفختين من أثر البكاء، تُرى.. لماذا تأخر حملها كل ذلك الوقت؟ يتعبنى السؤال كلما تعاقبت الأشهر دون أن أجد ما يبل ريقى، نبدأ رحلة «العذاب والضنا»، باللف على كل أطباء أمراض النساء، الإجابة واحدة، بعد سيل التحاليل والأشعة: «المدام عندها عيب خلقى يخليها ماتقدرش تخلف أبداً».

تنقلب «المدام» شخصاً آخر، يسيطر عليها الهاجس المرعب: «انت عاوز تتجوز علىّ»، أقسم صادقاً: «والله ما فكرت فى الحكاية دى أبداً»، يقيناً، لم تخطر الفكرة ببالى، صحيح أن زواجى منها كان تقليدياً، لكنى لا أنكر أننى استرحت لها، وربما أكون أحببتها، ذلك الحب الذى يقولون إنه يأتى بعد الزواج، كيف لا وقد أثبتت خلال عشرتى التى امتدت معها لبضعة أعوام إخلاصها ووفاءها، بل ورضاءها بالقليل مما تجود به علىّ وظيفتى الهزيلة، ثم لماذا أتزوج عليها؟.. لأنجب؟!.. لا أتصورنى أباً لطفل لا تكون هى أمه، وأنا رجل مؤمن، أؤدى من فروضى الدينية ما استطعت إليه سبيلاً، وأعرف جيداً أن الأطفال رزق، ككل رزق فى حياتنا، وأن الاعتراض على مشيئة الله لا يرضى الله ولا رسوله، والرضا بالمقسوم عبادة كما تعلمنا دائماً.

ولأننا تعلمنا كذلك أن الله قد يمنع عنك رزقاً فى أحد المواضع، ليعوضه لك بطريقة أخرى فى موضع آخر، فقد رزقنى الله بعقد عمل فى الخليج، خبطة العمر التى بدا أنها ستنتشلنى وزوجتى من قاع طبقتنا لتصعد بنا إلى قمتها، قلت لنفسى: «فرصة.. نسافر سوا، على الأقل تغير جو، وتنسى حكاية الخِلفة»، سنة فى إثر الثانية مرت فترة إقامتنا فى الخليج، استطعنا أن نكون ثروة معقولة قبل أن نقرر العودة مرة أخرى لأرض الوطن وقد تقدم بنا العمر، وفى ذهنى أن أبنى منزلاً، وأبدأ مشروعاً صغيراً أستثمر فيها ما سيتبقى من أموال.

بعودتنا إلى الأهل والأصدقاء، استيقظت كل الجروح القديمة، تتلفت زوجتى فيما حولها لترى من تزوَّج وأنجب وزادت ذريته، تنتهى كل زيارة لأحد الأقارب بخناقة حامية فيما بيننا فى آخر الليل على أهون سبب، أدرك معاناتها، وأتحمل غضبها، وأحاول أن أحتوى الأزمة لتمر كما مر غيرها، لكنها فاجأتنى فى أحد الأيام برغبتها فى تبنى طفل من ملجأ للأيتام، انعقد لسانى ولم أستطع الرد، «ليه؟» سألتها راغباً فى الحصول على إجابة تقنعنى.. «عاوزة أكون أم.. وعاوزاك أنت كمان تبقى أب».. عن نفسى لا أريد أطفالاً، رضيت بما قسمه الله لى، أعيش حياة هادئة فى سنوات عمرى التى تتخذ النهاية قبلتها، بعد أن ودعت تلك الرغبة القديمة ولم أعد أفكر فيها إكراماً لها هى، لكنها لا تقتنع، وتواصل السعى المحموم للبحث عن طفل يصلح للتبنى.

مع كل محاولة تقترب من إتمامها كنت أتدخل لأفسدها.. لا أريد لنفسى أن أربى طفلاً لا أعرفه، كما أنه لم يعد فى العمر بقية لكى ندلل، ونعلم، ونطعم، ونعالج.. أستدعى مثلاً شعبياً كانت أمى تردده أمامى: «يا مربِّى فى غير ولدك.. يا بانى فى غير أرضك»، ليس هناك ما يدفعنى لأن أبنى فى أرض غيرى، وخاصة أن موضوع البناء لم يعد يناسبنى، لكن رغبتها التى سيطرت عليها كانت تسير على قضبان سكة حديد بسرعة ألف كيلومتر فى الساعة: «هو أنت ماسمعتش حديث الرسول عليه الصلاة والسلام أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة؟»، تشرع أصبعيها فى وجهى، فيزداد هياجى: «أنا قلت مش هتبنى يعنى مش هتبنى»، وكان طبيعياً أن يتسع نطاق المعركة، تاركة ندوباً غائرة فى روحَينا.

استكانت إلى حين، وارتحت بدورى، لكن الأيام التى لا تمل من ممارسة ألعابها العجيبة تدهشنا على الدوام، يصلنا خبر وفاة قريبين لنا فى حادث سيارة، تنجو منه ابنتهما الوحيدة ذات الخمسة أعوام، تلمع عينا زوجتى فور علمها بالخبر: «المسكينة دى هتروح فين؟»، أعرف الإجابة مقدماً، لكننى أردت أن أتغابى: «ربنا يخلى لها خالتها.. قد الدنيا، ومتجوزة وعندها ولاد من سنها تتربى معاهم»، تؤمّن زوجتى على كلامى، وأراها تسرح وتغيم عيناها.

لا أدرى كيف تطور الأمر، وكيف تسللت زوجتى إلى منزل خالة الطفلة التى انتقلت إليها، تزورها يومياً لتجلس معها حاملة إليها كل ما لذ وطاب، يزداد تعلقهما ببعض، شيئاً فشيئاً تتسلل الطفلة لمنزلنا، ساعة أو ساعتين، ثم يتطور الأمر للبقاء طوال النهار، ثم المبيت ليلاً، وأدرك أن ظهرى أصبح للحائط وعلىّ أن أرفع ذراعىّ للأعلى مستسلماً.

«أنا مش عاوزها فى بيتى».. أصرخ على مسمع ومرأى من الطفلة الصغيرة التى يرعبها صراخى فتختبئ خلف باب الغرفة، يعلو صوت زوجتى على صوتى: «لو خرجت من هنا هاخرج معاها»، يفيض الكيل فأنهى الخناقة بصوت أعلى: «الباب يفوّت جمل»، يفوت الجمل بما حمل، وأجلس وحيداً.. أقرض أظافرى غيظاً وغضباً.

ليس لى صبر على غيابها، لكن عنادها يؤذينى، كما يؤذينى أن أرضخ لمشيئتها، أيُّنا أقدر على البعد والهجر؟ تبدو كأنها استغنت بالطفلة عن العالم كله، تمر الأيام وفى ذيلها الأسابيع و«لا حس ولا خبر» كما يقولون، أتسقط الأخبار فيصح ظنى، أتنازل قليلاً فأزورها فى منزل والدها وأسترضيها، يصبح شرطها الوحيد للعودة للمنزل ومواصلة الحياة معى، أن تصحب معها الطفلة.

الراية البيضاء التى رفعتها صاغراً ترفرف أمامى طوال الوقت، أصمت على مضض، وأتقبل الوضع الجديد دون أن أغير معاملتى للصغيرة ولو بمقدار شعرة، وبدلاً من أن يتسبب ذلك فى نفورها منى، كان يزيدها اقتراباً، وبنفس القدر كنت أحاول الابتعاد، ولا أضيع لحظة واحدة دون أن أشعرها برغبتى فى اختفائها من الكون، تسحقنى تلك الوخزة فى الضمير كلما تذكرت، اهتمام زوجتى البالغ بالطفلة، طعامها، نظافتها، علاجها كلما تعرضت لما يستدعى تدخل الأطباء.. أراقب الوضع من بعيد، وكأن الأمر لا يعنينى فى شىء.

ثمة شعور مروع يتسلل بخفة وعناد إلى داخل نفسى.. هذه الطفلة التى تكبر أمامى يوماً بعد يوم، لا تصبح مجرد طفلة يتيمة لأقارب رحلوا عن عالمنا، مشاعر غريبة لم أختبرها من قبل.. تُرى.. أهكذا يشعر الآباء؟.. الاهتمام والقلق لغيابها، والخوف عليها من الهواء الطائر، أنفى مشاعرى وأهشها بكف يدى علها تختفى، لكنها تزداد مع الأيام، تؤججها تلك الرقة والبراءة التى تنبعث من الصغيرة، ونظرتها لى باعتبارى الأب الذى حرمت منه، لا أدرى كيف انتهى الأمر ذات يوم بشعور متبادل بيننا، هى ابنتى.. وأنا أبوها.. ولا مجال لإنكار الحقيقة.

هل أردت فعلاً أن أنبذها وأنفيها من حياتى؟.. يوخزنى ضميرى بقسوة وقوة، حين أرى زوجتى تغمرها السعادة وهى تتابع بنفسها أدق تفاصيل حياة الصغيرة، البيت الذى غرق لسنوات طويلة فى الصمت والوحشة قد استحال إلى لوحة ملونة تتزاحم فيها الفساتين الصغيرة والعرائس المبهجة وشرائط الشَّعر والحكايات التى لا تنقطع، تضفى الصغيرة على حياتنا بهجة لم نعتدها من قبل، كيف كنا نعيش قبلها؟ تزداد مساحة الألوان كلما كبرت أمامى يوماً بعد يوم، ها هى الآن فى سنوات دراستها الأولى، الكتب والكراسات وأوراق الجلاد وألوان المياه و«يا بابا اكتب لى اسمى على الكراسة من برة عشان ماتضيعش»، و«الميس عاوزة مننا 5 جنيه عشان نزين الفصل»، و«عاوزة أطلع رحلة عاملاها المدرسة مع أصحابى»، و«مش باحب الجبنة البيضا.. وعاوزة لانشون فى الساندويتش».

أين اختبأت كل تلك السعادة؟.. كيف حرمت نفسى منها بغبائى وعنادى؟ كيف تكبر تلك الصغيرة وتعبر سنوات دراستها فى تفوق ملحوظ؟ ومساحة اهتمامى بها تصبغ حياتى كلها؟.. يزداد الاهتمام والقلق والخوف كلما خطت بثقة نحو سنوات المراهقة ثم الشباب، تربطها بى رابطة الابنة بأبيها، وأبوها غارق حتى أذنيه فى حبها والخوف عليها، أضبط نفسى متلبساً بالغيرة الشديدة حين يتقدم لخطبتها أحد أقاربنا، أرانى أتصرف مثلما يتصرف الآباء فأعترض على الزيجة لأن شكل العريس لا يروقنى، وأهله «ناس ماعندهمش ذوق عشان جايين يزورونا الساعة 7.. هو فيه حد بيزور حد الساعة 7 بالليل؟»، تبتسم زوجتى وقد وضعت يدها على مكمن الجرح: «ماتخافش.. هتتجوز وتغيب شوية.. بس هترجع تانى تقعد عندنا طول النهار»، لا أتصور المنزل خالياً بعد رحيلها لبيت زوجها.. هل تنسانا وتغرق فى حياتها الجديدة؟

تزحف سنوات عمرى ببطء إلى الشيخوخة.. أجدنى محتاجاً إلى وجودها أكثر من أى وقت مضى، أمد عينى لزوجتى فأراها هى الأخرى تكبر، ويضعف قلبها، وعلى الضفة الأخرى تهدى إلينا الصغيرة «أعز الولد»، ثلاثة أحفاد مثل الأقمار فى ليالى اكتمالها، ربما لم يتحمل قلب زوجتى كل تلك السعادة، تذبل وتضعف وتصبح ضيفة على عيادات الأطباء ومستشفياتهم الخاصة، قبل أن تضع نهاية لكل ذلك برحيل مفاجئ أفجعنى كما لم أفجع فى حبيب أو قريب من قبل.

ها أنا أعود للمنزل وحدى، فأتجول بين غرفه باحثاً عن طيفها، هنا عشنا لسنوات طويلة تعبت من عدها.. هنا ضحكنا وتبادلنا حديثاً تافهاً.. هنا تشاجرنا وعلت أصواتنا ثم تصافينا وجلسنا فى الشرفة لنشرب الشاى رائقين.. هنا شاهدنا فيلماً عربياً قديماً.. واستمتعنا بأداء الممثلين وإفيهاتهم الساخرة.. يعذبنى شعور الوحدة، ويقتلنى الحزن على تلك التى رعتنى وقطعت معى الرحلة الطويلة دون أن تشكو منى يوماً واحداً، واحتملت عصبيتى وطباعى العنيدة.. يأكلنى الحزن عليها وأرانى أجلس منتظراً أن ألحق بها، فلا يطول عذابى.. غير أن الصغيرة التى لم تعد صغيرة تباغتنى بطرقات على باب المنزل، وهى تسحب فى يدها أطفالها الثلاثة وزوجها معلنة البقاء معى حتى لا أصبح وحدى فى المنزل. مرة أخرى.. تدب الحياة فى المنزل الصامت.. هذه المرة تعود الحياة إلىّ بالفعل، مصحوبة بألم الضمير الذى لا ينتهى، ها هى ابنتى التى لم أعرف لى ابنة سواها ترعانى فى أيامى الأخيرة، تضفى علىّ محبتها ومحبة أبنائها وزوجها واهتمامهم وعطفهم، أتخيل مصيرى فى إحدى دور المسنين إذا لم تكن هى موجودة، أتذكر كيف كدت أنبذها ذات يوم وألقيها بعيداً عنى، فيهاجمنى شعور تأنيب الضمير بوخزاته التى لا تنتهى، ولا أدرى كيف أكفر عن خطيئتى.. الآن أنا أعيش بالفعل سنوات عمرى الأخيرة، أشعر أن الموت يقترب منى، وأشعر أن خدمتى فى الدنيا قد انتهت، وأنتظر حفل التكريم والوداع، لكنى لا أستطيع أن أتخلص من شعور الذنب الذى يهاجمنى كلما مرت الأيام، وألوم نفسى بشدة على محاولاتى السابقة للتخلص من تلك الابنة البارة، التى أصبحت موقناً الآن أننى لو كنت أنجبت بالفعل ابنة من صلبى لما كانت قد حنت علىّ واهتمت بى كما تفعل تلك الابنة الآن هى وأولادها وزوجها.. ولا أدرى كيف أتخلص من ذلك الشعور الذى يفسد علىّ ما تبقى من أيام عمرى.. وينغص علىّ حياتى.

م.ع  الجيزة

بالتأكيد يصلنا صوتك حين تتكلم أو تشكو أو تعترض.. ربما تحتاج أن تأخذ القرار.. أن تتكلم بالفعل.. تبوح وتفضفض، وتفتح قلبك لتزيح عنه ما يجثم عليه فيتعبك، ويحرمك من الاستمتاع باللحظات الحلوة.. ضع حملك الذى أنقض ظهرك.. ً فى الفضاء الواسع.. دورنا هو أن نأخذ بيدك لتتجاوز المطبات، وتعبر بر الأمان، واترك لروحك العنان حتى تحلق خفيفةً أن ّر دائماوحتى لو تعثرت وسقطت، فواجبنا أن نساعدك على النهوض نافضين عن ثوبك كل ما علق به من الأتربة.. وتذكالعمر قصير، والسنوات كالثيران الهائجة.. تنطلق بلا توقف، فعشها كما ينبغى، وكما تريد أنت، لا كما يريد لك الآخرون.

 الرد

يا صديقى العزيز.. حكايتك هى حكاية كل إنسان يواجه مشاعر ومخاوف قد لا يكون لها أى مبرر، أنت نبذت الطفلة خوفاً من المسئولية كما يبدو من حكايتك، رغبتك فى أن تعيش مستقراً هادئ البال مع زوجتك، دفعتك لأن تحاول نبذ الصغيرة فى البداية، لكن تحولك جاء بعد أن وُضعت فى الاختبار بالفعل، ففاجأتك المشاعر التى حكيت عنها، وتحولت حياتك إلى النقيض بمجرد أن دخلت فى التجربة، فتكفلت بالصغيرة كما يفعل أى أب، ونعمت بسنوات عمر مبهجة وسعيدة مع زوجتك التى يبدو أنك أحسنت اختيارها، وقمت بمهمتك على أكمل وجه، فربيت الصغيرة وعلمتها، وزوجتها وكان حقاً عليك أن تجنى الآن ثمرة ما زرعته يداك. واسمح لى يا صديقى العزيز أن ألفت نظرك لما يبدو أنك تتجاهله عمداً، حين تترك شعور وخز الضمير يسيطر على حياتك، بل وربما يفسد عليك أيامك التى تقول إنها الأخيرة، ويعلم الله متى تنتهى بالفعل، وعلى أى صورة.. أنت تعذب نفسك بلا مبرر، وتترك مساحة لوخزات الضمير لتهاجمك، ودعنى أسألك: لماذا يتعبك ضميرك وقد رعيت الصغيرة وكفلتها فى منزلك، فأرضيت ربك، وحققت وصية رسوله الذى تعهد بمنزلة رفيعة لكافل اليتيم؟.. فى كل ما رويته من حكايتك أنت لم تقصر تجاه الصغيرة فى أى مرحلة من مراحل عمرها، فقط.. شعرت فى البداية أنك لا تريدها، ثم تحول هذا الشعور إلى رغبة طاغية فى التمسك بها، تماماً كما نفعل جميعاً ونتعامل مع أى طارئ يستجد على حياتنا.. على العكس تماماً، ربما يعد تصرفك طبيعياً وتلقائياً، أما ما لا يعد طبيعياً هو تركك لمشاعر تأنيب الضمير تفترسك دون أى داعٍ أو مبرر. أنت بالفعل أديت مهمتك يا صديقى، تعبت وشقيت طوال سنوات خدمتك، وها أنت كما تقول فى نهاية الخدمة، حصلت فعلاً على حفل التكريم الذى يليق بك، وتسلمت المكافأة الربانية المتمثلة فى ابنتك بالتبنى وأحفادك منها.. نعم يا صديقى.. ابنتك هى مكافأة نهاية الخدمة التى تستحقها بعد كل تلك الرحلة الرائعة المفعمة بالعطاء والتضحية. أنت لا تعيش أيامك الأخيرة كما تقول، ولكنك تواصل رحلتك الرائعة فاستمتع بما منحتك الحياة من سعادة وبهجة وبارك الله لك فى أيامك كما أرجو أن يبارك فى ابنتك البارة وأولادها وزوجها.

 

 


مواضيع متعلقة