تصريحات شيخ الأزهر والوحدة الوطنية
التصريحات المهمة التى أدلى بها مؤخراً فضيلة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، لجريدة «صوت الأزهر»، بها الكثير من الآراء المهمة التى يجب أن يدركها المسلم جيداً وتؤكد عليها وتتداولها كل وسائل المعرفة والإعلام المسموع والمقروء، حتى يعرفها الناس ويعوها جيداً بعد أن اختلطت الأمور البديهية بالأفكار المتطرفة وأصاب المجتمع ما أصابه من خلط وجهل وادعاءات لا تمت للدين بصلة.
قال الشيخ الطيب إنه لا محل ولا مجال أن يُطلق على المسيحيين أنهم أهل ذمة لأنهم مواطنون متساوون فى الحقوق والواجبات، وأن مصطلح الأقليات لا يعبر عن روح الإسلام ولا فلسفته، فالكل سواسية أمام القانون فى الدولة، وقال إن الفكر الذى يحرِّم تهنئة المسيحيين بأعيادهم هو فكر متشدد لا يمت للإسلام بصلة، وهو فكر لم تعرفه مصر قبل السبعينات، حيث حدثت اختراقات للمجتمع المصرى مست المسلمين والمسيحيين وهيأت الأرض لأن تؤتى مصر من قبَل الفتنة الطائفية وتبع هذا أن التعليم الحقيقى انهار والخطاب الإسلامى انهار أيضاً، وأصبح أسير مظهريات وشكليات وتوجهات.
كما قال إن التضييق على غير المسلمين فى مأكلهم ومشربهم بنهار رمضان بدعوى الصيام سخف لا يليق ولا يمت للإسلام من قريب أو بعيد، فالمسلم الذى لا يطيق رؤية زميله المسيحى فى العمل يأكل أو يشرب أو مشاهدة المسيحيين فى المطاعم فى نهار رمضان كيف يطيق إفطار أطفاله الصغار فى نهار رمضان؟ أم أنه يضيق على أطفاله ويمنع عنهم الأكل والشرب؟
هذا قليل من تصريحات مهمة لشيخ الأزهر ربما تكون قد تأخرت، لكن كونها تصدر فى هذا التوقيت تحديداً أفضل من ألا تأتى، فى وقت بات واضحاً فيه عودة محاولات ضرب المجتمع المصرى فى صميم وحدته الوطنية فى الأسابيع القليلة الماضية، حين أطل علينا مرة أخرى شبح الفتنة الطائفية الذى لم ييأس مروجوه من استخدامه منذ الاحتلال الإنجليزى لمصر!
لكنى أتمنى ألا تتوقف هذه التصريحات المهمة لفضيلة شيخ الأزهر عند كونها مجرد تصريحات صحفية حتى ولو تداولتها الصحف والقنوات والمواقع الإخبارية، ولكنها يجب أن تستخدم وتنتشر على نطاق أوسع من ذلك بكثير.
لعل المدارس والمعاهد الأزهرية يجب أن تكون أول من تترسخ بها تلك الأفكار الوسطية المعتدلة التى تعكس الصورة الحقيقية للدين الإسلامى، بعد أن أساءت إلى الإسلام جماعات تدعى الانتماء إليه بكثير من الأفكار المشوهة التى انعكست على صورته وأفسدت حياة المسلمين فى شتى بقاع الأرض.
لكن الأخطر هو ما ذكره فضيلة شيخ الأزهر حول الفكر المتشدد الذى اخترق المجتمع المصرى منذ السبعينات، وتلك قضية خطيرة، فما نزال نعانى من تبعات هذا الفكر حتى الآن، ولم نحقق نجاحاً ملموساً فى مواجهته، بل إننا لم نبدأ فى محاربته بخطة جادة تقضى عليه أو حتى تحاصره، وإذا كان فضيلة شيخ الأزهر قد أشار إلى التعليم والخطاب الدينى تحديداً فيما أصاب المجتمع المصرى من اختراقات، فمن المؤكد أن مؤسسة الأزهر، التى يحظى بإمامتها الشيخ الطيب، يقع على عاتقها الكثير من المسئولية والعبء فى تدارك ما وصلنا إليه، فهى تملك المؤسسة العلمية العريقة، وتملك أدوات تجديد الخطاب الدينى، ولم يبق سوى تحويل القول إلى فعل.