«مسابك السرطان»: المرض القاتل يطارد شبرا الخيمة بسبب ورش البلاستيك

كتب: سحر المكاوى

«مسابك السرطان»: المرض القاتل يطارد شبرا الخيمة بسبب ورش البلاستيك

«مسابك السرطان»: المرض القاتل يطارد شبرا الخيمة بسبب ورش البلاستيك

إذا قادتك قدماك إلى منطقة المسابك الواقعة داخل عزبة الصعايدة، بشبرا الخيمة، ستشعر للوهلة الأولى وكأنك جالس فوق فوهة مدخنة، وتصيبك نوبة سُعال مستمرة، تُصعّب من مهمة جهازك التنفسى فى استنشاق الهواء النقى، وإذا كان ذلك حال الزائر، فما بالك بسكان المنطقة، الذين يعانون يومياً للحصول على هواءٍ نظيف ليصبح التنفس بالنسبة لهم معادلة يومية معقدة، بل شبه مستحيلة، مع أن ذلك أبسط حق من حقوق الإنسان فى الحياة. «الوطن» اقتربت من المأساة والتقت أهالى المنطقة لتتعرف عن قرب على معاناتهم بسبب وجود ورش البلاستيك والمسابك أسفل منازلهم. «قلت للأستاذ الدخان بيخنقنى.. فقال لى وإحنا مالنا»، قالت الطفلة ندا ناصر ذات التسعة أعوام، الطالبة بالصف الرابع الابتدائى بمدرسة أحمد شعلان، بشبرا الخيمة، وأضافت لـ«الوطن»: «الدخان ريحته وحشة أوى، مش عارفين نعمل أيه ودايماً (باكُح) وباخد دوا بس مابيعملش حاجة وكل ده بسبب مسابك وورش البلاستيك». وقال محمد على أحد أهالى المنطقة، الذى تلازمه «بَحة» فى صوته نتيجة آثار الغبار والأدخنة المنبعثة من المصانع، إنه يعانى أشد المعاناة بسبب سكنه فى هذه المنطقة، التى تحاصرها ورش البلاستيك والمسابك من كل مكان، موضحاً أن الدخان رائحته غريبة جداً، وبمجرد وصوله إلى حافة الأنف يصاب الزائر للمنطقة بنوبة من السعال المرضى، مضيفاً «ياريت المشكلة تخصنا إحنا فقط، لكن نعمل إيه فى أطفالنا الغلابة»، وأضاف أنه ضيف دائم على عيادات الأطباء لإجراء الكشف على أطفاله الثلاثة الذين تتراوح أعمارهم من 3 إلى 5 سنوات، ويعانون من ضيق مستمر فى التنفس، وفشل الطبيب فى علاجهم وطالبنا أكثر من مرة بالابتعاد عن مصدر الدخان، متسائلاً «طب وهنبعد عن الدخان إزاى وإحنا عايشين معاه؟».[FirstQuote] وقال السعيد السيد، عامل بورشة بلاستيك بمنطقة المسابك، إن العمل بهذه الورش أصابنا بالكثير من الأمراض، موضحاً «إيه إلى رماك على المر، إلا اللى أمر منه»، مضيفاً «لازم نشتغل عشان نلاقى ناكل ونأكل عيالنا هى يعنى الحكومة لو قعدت من الشغل ده هتوفر لى شغل ولّا هتأكلنى، دا الحكومة كلت حقى وحرمتنى من المعاش مع إنى كنت باشتغل فى شركة قطاع عام للصناعات المعدنية وتم بتر 3 أصابع من قدمى بسبب العمل». محمد أشرف، ذو الستة عشر عاماً، عامل بنفس الورشة، ترك الدراسة قبل عدة أعوام للعمل، أكد أن رائحة الدخان أصبحت معتادة بعد فترة من العمل داخل الورشة، واعتاد عليها على عكس الوضع فى بداية عمله بالورشة، فقد لازمه السعال وضيق التنفس لفترة، وعندما سألناه: لماذا لا يعمل فى مكان آخر، سكت لبرهة ولم يجب، ثم قال: «هو فين الشغل ده؟».[SecondImage] وقالت إلهام صالح، إحدى ساكنات المنطقة منذ فترة طويلة: «لم يكن لهذه المسابك والورش ضرر سوى الرائحة المنبعثة منها، فهى تكفى لأن تصيبنا وأولادنا بجميع الأمراض، مضيفة لا يكاد يمر يوم إلا وتنشب فيه مشاجرة مع أصحاب الورش مع السكان بسبب الرائحة التى لا يستطيع أحد أن يتكيف معها»، وأضافت «أولادى صعبانين عليا وابنى بيقول لى يا ماما أنا مش قادر، أنا عايز أرجع، وأنا لا أستطيع أن أفعل شيئاً سوى الدعاء، أن ربنا يرحمنا ويتوب علينا من السكن هنا». أما العم حسن عبداللطيف، عامل بمصنع بلاستيك بالمنطقة، فتعكس نظرات عينيه التأثير السلبى الخطير لعمله بالمصنع، استقبلنا بقوله: «أكل العيش مر، أمال انتم فاكرين الجنيه بيجى إزاى؟»، موضحاً أنه يعانى «الأمرين» خلال عمله بالمصنع من الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، جراء «البودرة» المستخدمة فى صناعة البلاستيك، والتى تسبب الحرقان الشديد بعينيه، وكأنك وضعت «شطة» فى عينيه، فضلاً عن عدم قدرته على التنفس وتحجر الرئة الذى ملأ صدره بسبب الدخان المنبعث أثناء العمل حسب تعبيره. وقال حسن حازم: «الغبار بلوى من البلاوى وأصعب من رائحة الدخان، موضحاً أن وضع «فرازات البلاستيك أصعب من المسابك والورش»، وأضاف «كل لما أكشف على أحد أطفالى عند الدكتور يقول لنا صدره مكتوم، وابعدوه عن مصدر الدخان والعلاج تأثيره مؤقت، وده إلى إحنا نقدر عليه أما إن إحنا نشوف مكان تانى نسكن فيه فده شىء مستحيل.. هو حد لاقى عشة يسكن فيها الأيام دى؟».[SecondQuote] واتفقت أم دعاء، وعمرو سعد، مع جارهما قائلين: «هندور على سكن تانى وإحنا ما صدقنا لاقينا أولانى»، موضحين أنهم يعانون من حساسية شديدة، مما يضطرهم إلى استخدام التنفس الصناعى. وفى مدرسة أحمد شعلان، التقينا مع شريف حنفى القائم بأعمال وكيل المدرسة، الذى أكد لنا أن المسابك المجاورة للمدرسة تم غلقها، عدا مسبك واحد بجوار المدرسة، لا يعمل إلا أياماً معدودة، فى حين قال عادل عبدالرحمن القائم بأعمال مدير المدرسة، إن الدخان المنبعث من مقلب القمامة المجاور للمدرسة هو المصيبة الكبرى فتأثيره شديد على الطلبة والشكوى دائماً متكررة، ولكن لا نملك من الأمر شيئاً. وتعليقاً على معاناة أهالى عزبة الصعايدة، قالت الدكتورة كوثر حفنى، رئيس الإدارة المركزية للأزمات والكوارث، بوزارة البيئة، والخبيرة بنوعية الهواء، إن ورش البلاستيك الكائنة بمنطقة المسابك بشبرا الخيمة تنبعث منها مواد خطرة وشديدة السمية، متمثلة فى «الديكوسين والفيوران»، وهى من المسببات للأمراض السرطانية، وأضافت لـ«الوطن»، أن استنشاق هذه المواد المنبعثة من مصانع البلاستيك يُنشط الخلايا السرطانية، وأنها أكثر خطورة من الانبعاثات الناتجة من مصانع الأسمنت، وأوضحت أن دور وزارة البيئة، هو رصد الملوثات وتحليلها ومعرفة نسبة التركيزات بها، ومحاولة تقليل التلوث الناتج عنها فى حالة زيادته على الحد المسموح به، طبقاً لقانون البيئة عن طريق خطط توفيق الأوضاع فى حالة كونها منشآت مرخصة، وأشارت «حفنى» إلى أن المنشآت غير المرخصة تتم مخاطبتها لتقديم دراسات تقييم أثر بيئى، ويتم بحث هذه الدراسات من قِبل المتخصصين بالوزارة، لمعرفة مطابقتها لشروط البيئة والمعايير البيئية من عدمه.[ThirdImage] من جهتها، قالت الدكتورة منى حبيب، المستشار بجهاز شئون البيئة والمسئولة عن متابعة مشروع نقل وتوطين وتطوير المشروعات والصناعات الحرفية والمسابك، إن الدولة أعدت دراسة بالتعاون مع وزارة البيئة، لتحسين نوعية الهواء بالقاهرة الكبرى فى أواخر التسعينات وتشمل نقل جميع المسابك بشبرا الخيمة إلى منطقة صناعية فى مدينة الصفا بالقليوبية، على مساحة 142 فداناً بتكلفة 61.5 مليون جنيه. وأوضحت لـ«الوطن»، أنه يتم الآن منح تسهيلات لأصحاب المسابك عند شراء الأراضى، بداية من سعر المتر، الذى يبلغ 100 جنيه، وحتى سداد 10% فقط من إجمالى المبلغ مقدماً، وانتهاءً بتقسيط باقى المبلغ على 7 سنوات، وتم تنفيذ ذلك عن طريق بروتوكول تعاون بين هيئة التنمية الصناعية وجهاز شئون البيئة ومحافظة القليوبية. وأشارت إلى أن مساحة المنطقة مقسّمة إلى 99 قطعة، موضحة أنه لم ينقل سوى 8 مسابك فقط حتى الآن فى حين اشترى أصحاب 31 مسبكاً المساحة المخصصة لهم، ولكن لم يبدأ أى منهم فى نقل النشاط حتى الآن وأن مشروع نقل المسابك ضمن 14 مشروعاً بـ12 محافظة يتم تنفيذها تحت رعاية وزارة التعاون الدولى، وبمشاركة وزراء البيئة والتنمية المحلية والصناعة والتجارة، ونوهت إلى أن هناك مشاكل تواجه المسابك بهذه المنطقة، أبرزها توفير المياه والصرف الصحى، لافتة إلى أن حل تلك المشاكل يتطلب تكلفة مالية مرتفعة لن نستطيع توفيرها، وتم اقتراح حلول لها خلال اجتماع الوزارات المعنية بالملف منذ ما يقرب من الشهر، لتشجيع أصحاب المسابك على نقل أنشطتهم بهذه المنطقة. وقال العقيد ياسر خليل، مستشار وزير البيئة لشئون التفتيش، والمشرف على دراسة أعدتها وزارة البيئة، بعنوان «منح الرخصة لورش البلاستيك غير المرخصة»، إن مشكلة عدم ترخيص ورش البلاستيك الكائنة بالقاهرة الكبرى عامة، وليس بشبرا الخيمة فقط، ويرجع إلى توقف إجراءات البدء فى المشروع بتغيير الوزراء والحكومات، قائلاً «كل وزير بيجى مش بيمشى على خطة الوزير السابق وبيعمل خطة جديدة ودى المصيبة»، مما أدى إلى توقف الخطط الخاصة بإيجاد حل لترخيص هذه الورش. وأوضح «خليل»، لـ«الوطن» أنه تم إعداد دراسة من قِبل وزارة البيئة فى عام 2012، لإيجاد حل للمصانع غير المرخصة، والتى تملك كماً كبيراً من العمال، وبدأنا بمنطقة منشية ناصر، بتوقيع اتفاقيات مع وزارة الاستثمار لتدشين منطقة صناعية على مساحة كبيرة تمتلكها وزارة البيئة على طريق بلبيس، ولكن توقفت الإجراءات بسبب تغيير الحكومات والوزراء فى الفترة الأخيرة. وأضاف «خليل» أن المشكلة من الأساس سببها سوء تخطيط من قبل المحافظة الكائن بها تلك الورش، الواقعة بمنطقة سكنية صناعية، موضحاً أنه لا بد من إعداد بحث متكامل لاستبيان ما إذا كان من الممكن نقل الورش إلى منطقة أخرى، والإبقاء على حى شبرا الخيمة للسكن فقط أم تصبح المنطقة صناعية فقط وعندها لا بد من إعداد تخطيط جيد للمنطقة. وقال صبحى عبدالمسيح، رئيس مجلس إدارة جمعية أبناء حورس لحماية البيئة بالقليوبية: إن نشاط الجمعية ليس له علاقة بالمنشآت التى تسبب تلوث الهواء، وفضلاً عن ذلك فإن الجمعيات لا تستطيع التعامل مع المواطنين، بمثل تلك المناطق لانتشار أعمال البلطجة. أما الدكتورة أحلام فاروق، مدير عام الإدارة العامة للالتزام البيئى والمشرف على التفتيش بوزارة البيئة، فقالت إن ورش البلاستيك مشكلة تؤرق وزارة البيئة لكونها غير مرخصة، فضلاً عن عدم قدرة مسئولى التفتيش على دخول المنطقة بسبب الخطر الذى يلاحقهم من أصحاب الورش والمسابك، وأكدت أن العاملين بإدارة التفتيش يبذلون أقصى جهد للوصول إلى اتفاق مع أصحاب هذه الورش من خلال حملات للتفتيش على ورش البلاستيك والمسابك بالمنطقة، لكنها توقفت منذ 2013، بسبب المخاطر التى تواجه مسئولى الإدارة من قِبل أصحاب المسابك المسلحين، مما يشكل خطراً على حياتهم. وأضافت أنه تم إسناد مسئولية التفتيش إلى فرع جهاز شئون البيئة بالقاهرة الكبرى، ولكن لم يستطيع فرع الجهاز التعامل مع المشكلة، نظراً للخطر الداهم الذى يواجه من يقترب منها، وطلبنا الاستعانة بقوات شرطية من قسم ثانى شبرا الخيمة، لتأمين مسئولى التفتيش تجاه أعمال البلطجة لكن أصحاب المسابك هدّدونا إذا ما قررنا تحرير محاضر لهم، ولو «عملنا لهم مخالفات هيموتونا»، لذلك لا بد من تقنين أوضاع تلك الورش لخطرها الشديد على البيئة والمواطنين القاطنين بها. ولفتت «أحلام» إلى أن الأزمة تكمن فى أن المنطقة الكائنة بها تلك الورش الصناعية، سكنية، مشيرة إلى أنه لا بد من إزالة كل المخالفات البيئية أولاً للسماح لتلك الورش بترخيص عملها، فضلاً عن أن تلك الورش عشوائية ولإزالتها سيتم إزالة أماكن سكنية، وذلك غير مصرح به قانوناً، وندرس حالياً مع محافظة القليوبية منحهم تراخيص مؤقتة لمدة 6 أشهر أسوة بالمنشآت المشابهة فى منشية ناصر وعزبة النخل، ولكن الأمر يتطلب وقتاً لتقديم دراسة وافية ومتأنية؟ وأشارت مدير عام الإدارة العامة للالتزام البيئى والمشرف على التفتيش بوزارة البيئة إلى أن الموضوع برمته الآن فى يد اتحاد الصناعات المصرية، الذى يدرس آليات ترخيص وتقنين أوضاع الورش والمسابك بتلك المنطقة، وننتظر إفادة من الاتحاد فى هذا الشأن.