موكب رمضان
أبى المصريون عبر تاريخهم إلا أن يكون رمضان «شهر فرحة». تجربتهم المديدة فى الحياة تحكى ذلك، وتؤكد أن رمضان واحة يأوى إليها الطيبون فى هذا البلد ليظفروا بقليل من الظل والراحة، تتشبع بهما نفوسهم على مدار أيامه ولياليه، ليتمكنوا بعدها من التقاط أنفاسهم ليواصلوا رحلة العناد مع الحياة. مهما كانت الأحزان والأوجاع، ومهما تعددت مشكلاتهم فإن رمضان قادر على التخفيف منها.
إنه شهر الطبطبة على المصريين، لذا فقد أحبوا هذا الشهر أكثر مما أحبه غيرهم، يشهد على ذلك كم الشوق الذى يرسم خرائط وجدانهم إلى نسماته، وكم الاهتمام بالإعداد لأيامه ولياليه قبل قدومه، وحالة الاحتفاء التى يقابل بها أهالى المحروسة هذا الشهر الكريم.
وتتعجّب وأنت تلاحظ أن شعور محبة رمضان يجمع المسلم بالمسيحى فى مصر، تماماً مثلما تجمع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم بين أبناء الوطن الواحد. رمضان حالة جوهرها جمع المصريين الذين تفرّقوا فى دروب الحياة.
على مر العصور، ظل رمضان «مخزن ذكرى» لكل المصريين، ذكريات البهجة المقترنة بالانتصار على تحديات الحياة، وذكريات الشجن التى تثير الأحزان النبيلة فى النفس عندما تقفز الإحباطات إلى رأس الصائم المستلقى فى حالة انتظار لدَقّة المدفع. ما بين النوم واليقظة يشتعل الخيال بالذكرى، تسرح العقول، وتغوص الأفئدة فى الضلوع من النشوة، وهى تذكر مشاهد القاهرة المعزية، وتسترجع صور الأجداد وهم يسعون فى طرقات القاهرة ليلة الرؤية فرحين بقدوم الشهر.
تشخص الأبصار إلى هناك، حيث تتوافد الجموع لتنضم إلى موكب الرؤية الذى يتصدّره المحتسب والقضاة الأربعة (المالكى والشافعى والحنفى والحنبلى). ومن ورائهم يصطف أرباب الحرف وصبيانهم فى صفوف، ومن بعدهم يظهر أصحاب الأشاير وأرباب الذكر وأحباب الرحمن من العجائز والفقراء، فى حين يلف حاملو الطبول والمزامير الموكب من جهاته الأربع.
ينطلق الموكب فى بهجة وسعادة وفرح وسرور، لا يستطيع من يسير فى آخره أن يدرك أوله، ولا من يسير فى أوله أن يدرك آخره. ثم يصمت الجمع الصاخب والغارق فى نشوة الاحتفال فجأة ليستمع إلى قاضى القضاة وهو يزف البشرى لأهل المحروسة بأن هلال رمضان ظهر وأن غداً هو أول أيام الشهر الكريم، فينطلق الأطفال والصبية فى الشوارع ويهتفون فرحين، وتأخذهم مسالك القاهرة الفاطمية من درب إلى درب ومن حى إلى حى يشاهدون تلك الاختراعات الفاطمية العجيبة التى خلقت نوعاً من الغرام بين أهل المحروسة ورمضان.
ها هو «المشاعلى» يحمل قنديله الخاص، ويمسك بعصاه الطويلة ليُشعل القناديل فى الشوارع والأزقة ابتهاجاً برمضان، فى حين يهرول أصحاب الحوانيت والدكاكين إلى إشعال الفوانيس حتى يعم الضوء والبهجة كل الأرجاء.
يتنقل الصبية والأطفال إلى صانعى «الكنافة والقطائف»، تلك الحلوى الرمضانية التى ارتبطت فى الذاكرة المصرية بأيام الفاطميين. ومن درب إلى درب وحارة إلى حارة وزقاق إلى زقاق يتنقل موكب المتفرّجين ليشهد أعاجيب الشهر الكريم التى تحضنها قاهرة المعز.