سلاح البترول

منذ العام 1973، وخلال حرب أكتوبر المجيدة، برز دور البترول كسلاح فى الصراعات بين الدول، بعد أن استخدمه العرب كوسيلة للضغط على الدول المساندة لإسرائيل (أمريكا وأوروبا).. أيامها ارتفع سعر برميل البترول بصورة كبيرة، وحدثت نقلة نوعية فى مدخولات الدول التى تعتمد عليه كمصدر للتمويل.

اليوم يعود البترول والغاز إلى واجهة الصورة كسلاح ماضٍ فى الصراع الحاصل بين الغرب وروسيا على المسرح الأوكرانى.. فأحد العوامل التى مكّنت روسيا من الإقدام المطمئن على اجتياح أوكرانيا، ارتبط بموقعها كمصدر للبترول والغاز للعديد من الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا.

المسألة هذه المرة مختلفة.. فروسيا تريد الاستمرار فى توريد البترول إلى أوروبا وأمريكا، بسبب ما دره عليها من أرباح، مكّنت «بوتين» من بناء دولة استعادت بعض الهيبة القديمة التى تمتع بها الاتحاد السوفيتى، لكن على الجهة المقابلة تقود الولايات المتحدة الأمريكية حملة للاستغناء عن بترول وغاز روسيا.. نحن إذن بصدد حملة استغناء وليس حملة منع.

منذ 48 ساعة قرر «بايدن» التوقف عن استيراد البترول والغاز من روسيا، وفى بريطانيا قرر «جونسون» التوقف التدريجى عن ذلك، بحيث تمتنع بريطانيا عن استيراد بترول وغاز روسيا بنهاية 2022، لكن باقى الدول الأوروبية، وفى المقدمة منها ألمانيا، تُبدى تردداً كبيراً فى اتخاذ مثل هذا القرار.

الآن يلامس سعر برميل البترول سقف الـ130 دولاراً، وهناك توقعات بأن يرتفع السعر خلال الأسابيع القادمة لأرقام أكبر، وفى الأمر فائدة للطرفين، فزيادة السعر تعوض روسيا عن بعض الخسائر الناتجة عن انخفاض حجم ما تبيعه فى الأسواق الغربية، وفى الوقت نفسه تضخ عوائد الزيادة التى تحصدها الدول المصدرة للبترول فى الاقتصاد الأمريكى، حيث يرتبط البترول بالدولار.

المشكلة الحقيقية يمكن أن تقع إذا حذت دول أوروبية أخرى حذو الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر ما زال صعباً حتى اللحظة، ومؤكد أن صانع القرار الأمريكى يستوعب ذلك، لكنه لا يبالى، لأن الهدف الرئيسى هو جرُّ روسيا إلى حرب استنزاف طويلة المدى، سوف تبدأ بشكل حقيقى على الأرض عندما تدخل القوات الروسية كييف (العاصمة الأوكرانية).

النموذج على القادم تجده فيما حدث فى مدينة «إربين» الأوكرانية القريبة من العاصمة خلال الأيام الماضية، فبعد سيطرة القوات الروسية عليها، تمكّن الجيش الأوكرانى من الكر عليها وطرد الروس منها، وسوف يعيد الروس الكرّة فى محاولة لاستعادتها، ومع كل محاولة ستزيد الخسائر.

إنها معادلة الاستنزاف التى أجاد الأمريكان استخدامها خلال الحرب الباردة، حين أدخلوا الاتحاد السوفيتى فى سباق تسلح، كان ختامه ذلك البرنامج الذى أطلقه الرئيس الأمريكى الأسبق رونالد ريجان، والمسمى بـ«حرب النجوم» عام 1983، لينتهى المشهد بوجع اقتصادى كبير فى الاتحاد السوفيتى، ساهم ضمن مجموعة من العوامل الأخرى فى تفكك دولة الجمهوريات الاشتراكية.

الولايات المتحدة الأمريكية نظرت إلى الأدوار التى لعبها بيع البترول والغاز الروسى إلى أوروبا فى إنعاش «بوتين»، وهى تحاول الآن إجهاض اللعبة.. فهل تنجح؟