أزمة تونس بين التفكيك والتعقيد

حسن أبوطالب

حسن أبوطالب

كاتب صحفي

تجسِّد الاستقالات التى تقدم بها 131 عضواً قيادياً وبرلمانياً من حزب حركة النهضة «الإخوانى» بتونس حجم الأزمة التى تمر بها الحركة من جهة، وحجم التغيرات الهيكلية التى تمر بها البلاد من جهة ثانية. وفى البيان الذى وقّعه المستقيلون ربط مباشر بين الاستقالة وتحوّل الانتماء للحركة إلى قيد يكبل الأعضاء، وعدم القيام بإصلاحات فى بنية الحركة تمت المطالبة بها منذ فترة طويلة، وسيطرة «الغنوشى» على قرارات الحركة، وإدارته تحالفات غير سليمة فى البرلمان، وبالتالى مسئوليته المباشرة عن الأزمة التى تعيشها البلاد. ومن بينها أيضاً الهبوط المريع لشعبية الحركة، والتى دفعت الرئيس قيس سعيد إلى الإقدام على اتخاذ الإجراءات الاستثنائية منذ 25 يوليو الماضى، بما فيها تجميد عمل البرلمان، وتجميد أية امتيازات مقررة للأعضاء. ولم ينس بعض هؤلاء الإشارة إلى احتمال تشكيل حزب بديل، سيكون فى حال تشكيله ضربة كبرى للنهضة ولـ«الغنوشى» شخصياً، وتغييراً فى الخريطة الحزبية على الأقل من حيث العدد وليس من حيث الظهير الشعبى.

أزمة «النهضة» الداخلية تعبير حى عن أزمة الأحزاب الأيديولوجية الإسلاموية، خاصة الإخوانية، التى تضع الأولوية للتنظيم على حساب الدولة والمواطنة والمؤسسات، وتعتقد أن مشاركتها فى الحكم عبر الانتخابات هى مجرد مرحلة تمهد للاستيلاء على كامل مفاصل البلاد، ولذا يمكنها أن تتحالف مؤقتاً مع اليمين واليسار والليبراليين وكل التوجهات السياسية مهما اختلفت مع قناعات الحركة، وذلك على سبيل المناورة إلى أن تصل إلى مرحلة التمكن الكامل، وعندها تضرب بالجميع عرض الحائط. ولعل ما تفعله حركة طالبان فى أفغانستان نموذج آخر من نقض العهود، والإطاحة بمن ادعت كذباً التسامح معهم من المخالفين لها، وهو ما لا يختلف من حيث الجوهر مع ما فعلته «النهضة» و«الغنوشى» شخصياً، رغم كل الحديث المُخادع عن الديمقراطية والحريات.

فى تونس لا يمكن تحليل الأزمة التى تعيشها البلاد منذ عقد كامل دون تحميل الحركة وقيادتها الجزء الأكبر من المسئولية، ليس فقط باعتبارها شريكاً فى الحكم، بل لأنها مارست جميع المناورات المناهضة لكل ما تدعيه من مبادئ وقيم، وكل المبادئ التى يتضمنها الدستور التونسى التى تدعى الحركة الحرص عليه، وتحالفت مع قوى وأطراف سياسية يعلم الجميع أنهم أصل الفساد والإفساد الشائع فى تونس، ولم يخلُ الأمر من الانغماس المباشر فى أنشطة فساد مالى واسع المدى، يعرف التونسيون تفاصيله بكل دقة، ويتحمل «الغنوشى» شخصياً الدور الأكبر فى هذه الأنشطة الفاسدة، وهو محل تدقيق قانونى حالياً.

تونس إذاً على طريق خريطة حزبية مختلفة، لكنها تظل مرتبكة إلى حد كبير إلى أن تتضح معالم الخريطة السياسية التى سوف يُقرها الرئيس قيس سعيد وصولاً إلى الهدف الرئيسى وهو إصلاح النظام السياسى وضبط العلاقة بين السلطات. والواضح أن إعلان خطة واضحة المعالم هو مطلب عام من شأنه أن يحتوى الانتقادات التى بدأت تتصاعد مؤخراً مع استمرار الإجراءات الاستثنائية دون أن تكون هناك حكومة تمارس اختصاصات السلطة التنفيذية، وتعمل على التصدى للمشكلات الحياتية الضرورية للمجتمع التونسى ككل. والواضح أيضاً أن غياب إطار تنظيمى له طابع دستورى غير مشكوك فيه يُطلق حواراً وطنياً حول التعديلات الدستورية المطلوبة يمثل إشكالية كبرى، إذ بدون مشاركة جماهيرية لتحديد طبيعة النظام السياسى الجديد، سيكون من الصعب توقع مشاركة ذات وزن فى أى استفتاء على تعديلات دستورية مهما كانت تراعى مطلب تحسين أداء النظام ككل. وكلا الأمرين، فى ظل غياب البرلمان، يواجه عقبات دستورية وقانونية لا بد من حلها، سواء بعودة البرلمان بعد تنظيفه من العناصر التى يثبت فسادها عبر تحقيقات قانونية شفافة، أو بدون عودة البرلمان بتشكيلته الراهنة، مع حشد قوى التغيير فى كل المجتمع التونسى للعب دور أكبر لضبط حركة التعديلات الدستورية.

ومن أهم الإشكاليات الدستورية أن إصدار الرئيس تعديلات تتعلق بالإصلاحات السياسية بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها رئاسياً، على أن تصدر تلك القوانين بصبغة تشريعية فى شكل مراسيم رئاسية، وفقاً لما تم إعلانه يوم 22 سبتمبر الجارى، قد ينظر إليها كإجراء استثنائى له سنده القانونى المستمد من كونه قراراً رئاسياً، لكنه سيظل معرضاً للانتقاد من زاوية مدى شرعيته الدستورية ومدى أهليته لوضع تغييرات وتعديلات فى الدستور من خلال قوانين لم تصدر من قبَل البرلمان. وهنا تتجسد إشكالية القانونى والدستورى والسند الشعبى على نحو مثير، وبما يعكس أيضاً حجم التعقيدات التى يُتطلب تفكيكها بكل حكمة وحُسن تقدير.

لا شك أن تونس تحتاج نظاماً سياسياً واضح المعالم، تمارس فيه السلطات بأعلى قدر من التوازن والقابلية للتعاون من أجل إحداث التغييرات التنموية والاجتماعية والاقتصادية التى يتطلع إليها التونسيون على أحر من الجمر، وهى مهمة كبرى تتجاوز قدرات طرف واحد، وتتطلب تعاوناً ومشاركة من كل مكونات المجتمع رسمياً ومدنياً، وفق أطر قانونية ودستورية لا يُشق لها غبار، ولا تسمح لأحد فى الداخل أو فى الخارج بالطعن فى نزاهتها وشرعيتها، لا سيما أن هناك الكثير من المتربصين بالرئيس قيس سعيد وبكل من ينادى بإصلاح النظام السياسى. ومواجهة هؤلاء تفرض تشكيل جبهة شعبية وسياسية عريضة تحمى الإصلاحات المطلوبة، وتشارك فى الحوار حولها وفى صياغتها وفى منحها الشرعية الشعبية الأصيلة، وبالتالى إقصاء كل القوى المخادعة من أمثال حزب النهضة وقلب تونس وائتلاف الكرامة من المشهد السياسى إلى غير رجعة. إن خريطة طريق واضحة، من حيث الآليات والمدى الزمنى المناسب، سوف تلعب دوراً كبيراً فى تهيئة المشهد السياسى التونسى للتغيرات المطلوبة، وسوف تقطع الطريق على قوى الشر والخداع. والأمل ألا يطول زمن الانتظار، لما فيه من دعم سياسى ومعنوى للمتربصين بتونس وشعبها.