أزمة اليمن وتهديد الأمن القومى العربى
هل فوجئنا بسيطرة الحوثيين على صنعاء؟ وهل يعنى توقيع اتفاق بينهم وبين الحكومة يقضى بتعيين رئيس وزراء وحكومة جديدة ووقف القتال برعاية الأمم المتحدة ومشاركة الأطراف السياسية فى تعافى اليمن؟
لقد بدأ الصراع بين الحوثيين الشيعة وحكومة اليمن عام 2004 لشعورهم بالتهميش السياسى والحرمان الاقتصادى ورغبتهم فى ممارسة مزيد من النفوذ السياسى، ثم شاركوا مع قوى المعارضة السياسية فى ثورة اليمن فى يناير 2011 ضد نظام عبدالله صالح مطالبين بالحرية ومقاومة الفساد وحل مشكلة البطالة والتخلص من النظام الاستبدادى، ولم يوافق الحوثيون على مبادرة مجلس التعاون الخليجى فى مارس 2011 بشأن حل الصراع فى اليمن، وإن كان مجلس الأمن قد اتخذ قراراً رقم 2014 فى أكتوبر 2011 يطلب فيه من كل الأطراف وقف العنف والقتال والاتفاق السياسى وانتقال السلطة إلى رئيس توافقى، وهو ما حدث بالفعل حينما تنازل الرئيس السابق عن الحكم لنائبه شريطة إجراء انتخابات رئاسية، وهو ما تم بالفعل، كما قام الرئيس الجديد بتشكيل لجنة للحوار القومى تبحث فى إجراء تعديلات دستورية تمس مصير اليمن.
واليمن، الذى كان يطلق عليه يوماً «اليمن السعيد»، بحضارته التاريخية وإسهاماته القومية، صار من أكثر الدول العربية تعاسةً؛ حيث يعج فى مشاكل معقدة ومتشابكة، فهو يحتل موقعاً جيواستراتيجياً فريداً، إذ يسيطر على مضيق باب المندب، ومن ثمّ يتحكم فى ثلثى التجارة الدولية العابرة إلى قناة السويس، وخصوصاً تجارة النفط والغاز الطبيعى، وتبلغ مساحته نحو 528 ألف كم2، ويقطنه نحو 26 مليون نسمة، 65% منهم من السنة، و35% من الشيعة، ومنهم الحوثيون، ويعيش أكثر من 45% من السكان تحت خط الفقر، وتصل نسبة البطالة إلى نحو 35%، وفى حين يبلغ الناتج القومى الإجمالى نحو 61 مليار دولار، تبلغ نسبة الدين الداخلى 47% من الناتج القومى الإجمالى، مما يشكل أزمة اقتصادية حادة، كما يبلغ الدين الخارجى نحو 8 مليارات دولار. ومن أهم التطورات السياسية والدستورية التى مهدت للأزمة اليمنية أن الرئيس اليمنى قد شكل لجنة للبحث فى مصير اليمن، وهى اللجنة التى رأت ضرورة انتقال اليمن من دولة مركزية اندماجية إلى نظام فيدرالى؛ حيث تم الاتفاق فى فبراير 2014 على تقسيمه إلى ستة أقاليم تتمتع بالحكم الذاتى: 4 أقاليم فى الشمال، وإقليمين فى الجنوب. وقد رفض الحوثيون ذلك؛ لأنه، كما يرونه، يحرمهم من مكاسب جيواستراتيجية، كما يحرمهم كذلك من الاستفادة من مصادر النفط اليمنى، ومنذ فبراير 2014 حتى سيطرة الحوثيين على صنعاء، ثم اتفاقهم مع الحكومة على وقف القتال، وهم يبنون أنفسهم عسكرياً، ويتلقون الدعم والمساندة من تنظيم القاعدة من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، إذ تسعى الأخيرة إلى إنشاء كيان تابع لها فى اليمن من أجل التحكم فى باب المندب، ومن ثم التجارة الدولية عبر قناة السويس. وإذا كان الأمن القومى العربى يعنى قدرة النظام العربى على الحفاظ على بقائه وتكامل أراضيه من ناحية، والارتقاء بجودة حياة مواطنيه من ناحية أخرى، وإذا كان يعنى كذلك تأمين الثروات وسلامة المياه الإقليمية والسيادة عليها، وإذا كان الأمن القومى العربى هو مجموع الأمن القومى لكل الدول العربية؛ فإن اليمن، على وجه الخصوص، يشكل حلقة وصل متينة ونقطة انطلاق استراتيجية لحماية الأمن القومى العربى من الاختراق البحرى لأى قوة معادية، ولا شك أن تأمين باب المندب يعنى زيادة مستوى الأمن فى البحر الأحمر وقناة السويس، ويعنى كذلك زيادة مستوى الأمن البحرى فى بحر عدن وبحر العرب، وفوق ذلك؛ فإن مستوى الأمن القومى فى اليمن يمس بصورة مباشرة أمن المملكة العربية السعودية، وهى أهم الدول المنتجة والمصدرة للنفط والمركز الروحى للعالم الإسلامى وأحد أهم أعمدة الأمن القومى العربى، وقد لعب اليمن دوراً ملحوظاً فى تأمين باب المندب ومنع القوى المعادية من الاقتراب منه، والتنسيق مع المملكة العربية السعودية ومصر لتأمين مدخل البحر الأحمر، وقد ظهر ذلك واضحاً فى حرب تحرير سيناء عام 1973، وفى مواجهة القراصنة من الصومال فى السنوات الماضية، وهم الذين اعتادوا اختطاف السفن التجارية المارة من باب المندب إلى قناة السويس.
والواقع أن الجامعة العربية والدول العربية، ما عدا دول مجلس التعاون، تجاهلوا الأزمة اليمنية تماماً، ومن الغريب أن يتدخل مجلس الأمن عام 2011 لحل الأزمة وتكون الأمم المتحدة طرفاً فى اتفاق الحوثيين والحكومة، بينما غابت الدول العربية وجامعتها، ونظراً للارتباط العضوى بين أمن اليمن وسلامته من ناحية، والأمن القومى العربى من ناحية أخرى؛ فقد صار من الضرورى أن تلقى الأزمة اليمنية اهتماماً ورعاية عربية قبل فوات الأوان؛ فاليمن مطمع واضح لبقايا تنظيم القاعدة، كما أنه يشكل إغراءً استراتيجياً لإيران التى لم تُخفِ أطماعها فى الوطن العربى.
ومن الضرورى أن يقوم الرئيس السيسى -بعد أن مثّل الدول العربية فى قمة المناخ فى نيويورك- بدعوة الحكام العرب إلى قمة عربية طارئة تناقش الأزمة اليمنية وتوفر جميع الموارد اللازمة للحفاظ على وحدته واندماجه وأمنه، فلنذكر أن عبدالناصر دعا إلى إنشاء القمة العربية عام 1964، حينما شكلت خطط إسرائيل لتحويل مجرى مياه نهر الأردن تهديداً للأمن المائى العربى، ألا يشكل انشطار وتجزئة وانهيار اليمن تهديداً للأمن القومى العربى مما يعد مسئولية عربية مشتركة تستلزم انعقاد قمة عربية فى أسرع وقت ممكن؟