الثانوية العامة
كانت ولم تزل الثانوية العامة كابوساً يجثم على صدور أولياء الأمور والأبناء داخل الأسر المصرية.
لم يخضع نظام لكم التعديلات التى خضع لها نظام امتحانات الثانوية العامة. أيام مصطفى كمال حلمى (وزير التعليم الأسبق) كانت الثانوية العامة سنة واحدة تحدّد مصير الطالب، اختلف هذا النظام فى عصر الوزير حسين كامل بهاء الدين، الذى جعل الثانوية العامة عامين، وبعد ثورة يناير 2011 تمت العودة إلى نظام العام الواحد، وخلال عصر الدكتور طارق شوقى تبنّت الوزارة نظام التعليم بالتابلت، وتم وضع خطة لتطوير نظام الثانوية العامة يجعل التقييم فيها على ثلاث سنوات، مع منح الطالب أكثر من محاولة للتحسين، مقابل مبلغ مالى محدّد، وهو المشروع الذى رفضه مؤخراً مجلس الشيوخ، لوجود شبهة عدم دستورية فيه، بسبب تعارضه مع مبدأ مجانية التعليم.
من «سنة» إلى «سنتين»، ثم العودة إلى نظام «السنة»، ثم اقتراح نظام جديد يجعل الثانوية العامة «3 سنوات»، احتار مسئولو التعليم وحيّروا الناس معهم، وأصبحت امتحانات الثانوية العامة حدثاً من أكثر الأحداث شعبية وجماهيرية فى بر المحروسة، وباتت مشاهد الطلاب وهم يبكون أو يضحكون ويرقصون أمام لجان الامتحانات حاضرة بقوة على مواقع التواصل وعلى مستوى وسائل الإعلام التقليدية، فى مشاهد يندر أن تجد لها مثيلاً فى دولة أخرى.
منذ عصر مصطفى كمال حلمى وحتى اللحظة يرفع كل وزير شعار التطوير، ثم يأتى الذى بعده وينسف تطويره، ليقترح نظاماً جديداً، إلى درجة أن بعض أولياء الأمور اتهموا الوزارة بأنها لا تطور، بل «تجرب أنظمتها فى عيالهم»، وليس الموضوع كذلك بالطبع.
المسألة وما فيها أن شهادة الثانوية العامة عبر تاريخها أفرزت الكثير من المشكلات المزمنة التى يجتهد كل وزير يأتى فى حلها، مثل مشكلة الدروس الخصوصية، والغش الجماعى، وتسريب الامتحانات، وتزوير الشهادات، وغير ذلك من آفات لها أسبابها الاجتماعية التى تتعلق بولع الأسر المصرية بالشهادات: «بلد شهادات»، وحلمهم لأبنائهم بوظائف مكتبية، بعيداً عن الفلاحة أو الصناعة والتجارة. ولها أيضاً أسبابها المرتبطة بأداء الوزراء الذين يظن الواحد منهم يوم دخوله إلى الوزارة أنه اختيار الأقدار لتصحيح ما اعوج وحل المشكلات التى عجز عنها غيره.
مشكلة الثانوية العامة تتطلب تغييراً فى الفكر الاجتماعى، وتغييراً موازياً فى الفكر التعليمى.
أفراد الطبقة الوسطى فى مصر -على وجه التحديد- مطالبون بوضع الشهادة الجامعية فى حجمها الطبيعى، وأن يعلموا أن ما يُنفق على أبنائهم فى الدروس الخصوصية، ومصروفات فى المدارس، ثم مصروفات طائلة فى الجامعات الخاصة، لا يعادل بحال حجم المردود الذى يحققه الخريج بعد الحصول على الشهادة والالتحاق بالعمل، وأن يدركوا أن ثمة مهارات أخرى لا بد من إكسابها لأولادهم تتفوق فى قيمتها وعوائدها على الشهادة عند الانخراط فى سوق العمل. كما يتوجّب على المصريين عموماً أن يستوعبوا قيمة التعليم الفنى وأهميته وطرق النجاح التى يمكن أن يتيحها لأبنائهم.
وفى ما يتعلق بالفكر التعليمى، لا بد أن يأخذ صناع السياسات التعليمية وأنظمة التقويم فى الوزارة أن التطوير الحقيقى للتعليم هو الذى يُحسّن قدرة الطالب على التفكير والفهم وعدم انتزاع المعلومات من سياقاتها، وأن يتفهّموا أن التعليم محتوى يصنع العقل ومهارة تُعد لسوق العمل، وأن الامتحان اختبار لقدرة الطالب على الفهم والتفكير، وليس اختباراً لمهارته فى حل الألغاز!.