فاطمة الزهراء.. وبنات كسرى

كان «سلمان» أكثر الصحابة التصاقاً ببيت النبى بعد وفاته، ومن اللافت أن «اليعقوبى» يذكر أنه كان من بين أشخاص معدودين حضروا جنازة فاطمة بنت محمد رضى الله عنها: «ولم يحضرها -يقصد تشييع فاطمة- أحد إلا سلمان وأبوذر، وقيل عمار».

وكلنا يعلم أن فاطمة لم تكن راضية عما آلت إليه أوضاع العائلة النبوية، بعد وفاة النبى. نستطيع أن نستدل على ذلك بما حكاه «اليعقوبى» حين ذكر: «دخل إليها فى مرضها -يقصد فاطمة- نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهن من نساء قريش فقلن: كيف أنت؟ قالت: أجدنى والله كارهة لدنياكم، مسرورة لفراقكم، ألقى الله ورسوله بحسرات منكن، فما حفظ لى الحق، ولا رعيت منى الذمة، ولا قبلت الوصية، ولا عرفت الحرمة».

لم يعاصر سلمان الفارسى خروج الحسين بن على ضد يزيد بن معاوية، وإلا لشهد معه واقعة «كربلاء». يؤكد ذلك ما حكاه «ابن الأثير» من أن زهير بن القين (وهو أحد من انحازوا للحسين عند خروجه إلى العراق) قال «قال لنا سلمان الفارسى: إذا أدركتم سيد شباب أهل محمد فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه بما أصبتم اليوم من الغنائم».

انحياز سلمان للحسين متوقع، فهو الذى سبق وانحاز لأبيه على، وثمة عامل آخر يدعم من ذلك يتعلق بزواج الحسين من واحدة من بنات كسرى اللائى تم أسرهن بعد موقعة القادسية، وقد أنجب منها ولده «على الأصغر» الملقب بـ«زين العابدين». ويصر بعض المؤرخين من أهل السنة على أن الحسين لم يتزوج «حرار بنت يزدجرد» بل تسرى بها، وأنجب منها فأصبحت «أم ولد». وأياً كانت طبيعة العلاقة بين الحسين والأسيرة الفارسية، فقد أنجب منها ولداً كان له كل الشأن فى حياة الشيعة.

ويذكر «ابن كثير» أن بنات «يزدجرد» اللائى تم أسرهن بعد «القادسية» كن ثلاثاً: «كان ليزدجرد ثلاث بنات سبين فى زمن عمر بن الخطاب فحصلت واحدة لعبدالله بن عمر فأولدها سالماً والأخرى لمحمد بن أبى بكر الصديق فأولدها القاسم والأخرى للحسين بن على فأولدها علياً زين العابدين هذا فكلهم بنو خالة».

ومن اللافت أن صهرى الحسين الاثنين اتخذا موقفاً لافتاً إزاء الصراع الذى نشب بين على ومعاوية، بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، فأحدهما «ابن أبى بكر» انحاز إلى على وعينه الخليفة والياً على مصر، أما «ابن عمر» فلم ينضم إلى أى من الجبهتين، واعتذر لعلى بن أبى طالب، وانتقل للعيش فى مكة، ويحتار المحلل هل كان للزوجات الفارسيات دور فى تحديد هذه المواقف.

على زين العابدين كان الناجى الوحيد من مذبحة كربلاء، وعده الشيعة الإمام الرابع لهم، حين أصروا على توحيد الأئمة فى إطار نسل على بن أبى طالب من فاطمة: الحسن والحسين، ثم نسل على بن الحسين، ولم يعترفوا بأى زعامات تمت بالقرابة إلى بيت النبوة، لكن انقساماً خطيراً وقع فى تاريخ هذا الخط الأصيل من خطوط التشيع، عندما وصلت الإمامة إلى «جعفر الصادق»، وهو الإمام السادس الذى يسبقه: على بن أبى طالب، ثم الحسن بن على، ثم الحسين بن على، ثم على زين العابدين، ثم محمد الباقر.

كان لجعفر الصادق ابنان: كبيرهما إسماعيل، والأصغر موسى الكاظم، ويبدو أن حق البكورة كان يلعب دوراً فى اختيار الإمام الخليفة، فى استدعاء واضح لنظرية «البكورية» التوراتية التى كانت تخول للابن الأكبر وراثة الرسالة عن أبيه. ولأسباب غير واضحة حرم جعفر ابنه الأكبر «إسماعيل» من خلافته فى منصب الإمامة، ومنحه لأخيه الأصغر (موسى الكاظم)، واعترف الكثير من الشيعة بإمامة «الكاظم» واستمر نسله حتى الإمام الثانى عشر، فتلاه على بن موسى الرضا، ثم محمد بن على الجواد، ثم على بن محمد الهادى، ثم الحسن بن على العسكرى، ثم محمد بن الحسن (الغائب).

وهكذا تشكلت فرقة الشيعة الاثنى عشرية. وسيطر المذهب الاثنى عشرى على الشيعة الفرس، وهو المذهب الرسمى اليوم لإيران، بالإضافة إلى مناطق من المشرق العربى.