مصر في ربع قرن.. «3 مشروعات للتغيير»

إمام أحمد

إمام أحمد

كاتب صحفي

كان عام 2000 بمثابة نهاية افتراضية لنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك بعد 20 سنة من الحكم دون إحداث طفرة حقيقية على أي مستوى. العشر الأواخر من عمر النظام كانت «فترة زائدة»، أو بمعنى أدق «فترة انتقالية» حاول فيها نظام مبارك -مضطراً أو طواعيةً- نقل السلطة داخلياً من جيل إلى جيل جديد، وهو ما عُرف بـ«مشروع التوريث». منذ تلك اللحظة حتى الآن، أي ما يقرب من ربع قرن، شهدت مصر 3 مشروعات للتغيير، أولها واهم، وثانيها طائفي، وثالثها صادق وحقيقي.

(1)

مع منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة، بين 2004 و2005 و2006، تكونت ملامح مشروع التغيير الأول، وبرغم من ضرورة التغيير في ذلك الوقت، وجدوى فكرة التغيير الملحة، إلا أن هذا المشروع كان يرتكز على قاعدة شديدة السذاجة تقول: إذا أزحنا مبارك، نجحنا في التغيير!

باع أصحاب هذا المشروع بضاعتهم للكثير، خاصة من فئة الشباب وطلبة الجامعات والحالمين بغد أفضل، دون أن يقدم إجابة واحدة على سؤال: ماذا بعد مبارك؟

اعتمد في ترويج بضاعته على ضرورة التغيير، دون وضع سياسات أو تصورات أو تأسيس كيانات بديلة قادرة على الإدارة والحكم. استمر هذا المشروع حتى جاءت ثورة 25 يناير، ووقع ما لم يتصور أحد أن يقع؛ حيث ذهب مبارك ومن معه. لكن الإجابة عند أصحاب مشروع التغيير ظلت تائهة، بل وقعوا -شبابا وشيوخا- في خلافات ضارية، للحد الذي تبادلوا فيه الاتهامات والانشقاقات وأصبح لكل عشرة أفراد ائتلافاً أو حزباً، وسقطوا قبل أن يبنوا نظاماً!

(2)

مشروع التغيير الثاني كان مشروع التيار الديني، وفي مقدمته جماعة الإخوان. هذا المشروع كان أكثر تماسكاً من سابقه، فالكيان البديل موجود وهو الجماعة، وأجندة الحكم موجودة وهي أجندة الجماعة، لم يواجه الإخوان ومن معهم مشكلة في صناعة البديل أو معضلة في الإجابة على سؤال ماذا بعد؟.. كل ذلك كان واضحاً تماماً للجماعة ومكتب إرشادها وقواعدها، لكن التحدي الحقيقي كان الصدام مع الدولة المصرية!

الجماعة والدولة لا يجتمعان، ثوابت الجماعة تختلف عن ثوابت الدولة، وأولويات الجماعة تختلف عن أولويات الدولة، ومصالح الجماعة تختلف عن مصالح الدولة. وصل الإخوان إلى الحكم، وبدأوا تنفيذ خطة التمكين، لكن المشروع وصل لمحطته الأخيرة بعد عام واحد من الحكم وأُسدل الستار عليه مع ثورة 30 يونيو التي رفعت شعاراً دقيقاً وذكياً هو: «الشعب والجيش إيد واحدة»، في إشارة واضحة إلى اختيار الشعب المصري، بين «جماعة» كانت في طريقها للسقوط، و«دولة» كانت في طريقها للعودة من جديدة.

(3)

بعد ثورة الثلاثين من يونيو، كانت مصر على موعد مع مشروع تغيير جاد وجديد. ربما يطلق عليه البعض «مشروع الرئيس السيسي»، لكني أميل أكثر إلى تسميته بـ«مشروع الدولة الوطنية الحديثة».

يرتكز هذا المشروع المصري على عدد من الثوابت والأهداف صاغها الرئيس بنفسه في أكثر من لقاء، أولى ركائز هذا المشروع هو تثبيت أركان الدولة المصرية التي عانت من فترة السيولة والفوضى وفقدت كثيراً من قدراتها.. الركيزة الثانية هو إجراء حزمة إصلاحات اقتصادية جذرية وشاملة لعلاج مشكلات الاقتصاد المصري وفتح آفاق جديدة نحو المستقبل.. الركيزة الثالثة هو تحديث وتطوير البنية التحتية لمصر بداية من مشروعات الطرق والموانئ والمطارات إلى مشروعات المدن الجديدة والكهرباء والطاقة.. الركيزة الرابعة هو فتح المجال العام أمام الشباب والمرأة على وجه التحديد بصيغة تلائم بين حق التعبير والمشاركة من جهة ومقتضيات الأمن القومي من جهة أخرى، أما الركيزة الخامسة فهو استعادة الدور والقدرة في ملفات الخارج إقليمياً ودولياً.

مشروع التغيير الأول تبخر تماماً بعد ثورة يناير ولم يبق منه إلا ذكراه، ومشروع التغيير الثاني لقى حتفه أمام ثورة 30 يونيو رغم محاولات الخداع لتمريره تارة ومحاولات العنف لفرضه تارة أخرى، أما مشروع التغيير الثالث فهو ما تشهده مصر حالياً وتحرز على طريقه يوماً بعد آخر خطوة جديدة للأمام.. مشروع تغيير واقعي لأقصى درجة، وطموح لأبعد حد.