نحو إعادة تعريف القوة الناعمة المصرية
هل يعنى ما ذكرناه فى المقالات الثلاثة السابقة أننا نعيش حقبة أفول قوة مصر الناعمة، وأن مصر فقدت فرصتها فى استعادة تأثيرها ودورها عبر مصادر قوتها الناعمة؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بالنفى، فإذا كان تصدير الأفكار الملهمة أحد مصادر القوة الناعمة، فإن الدارس لتاريخ مصر يعلم جيداً أنها، حتى فى لحظات ضعفها، كانت منبعاً للأفكار الكبرى الملهمة التى صاغت الوعى العربى خلال القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، بدءاً من فكرة التنوير التى عرفتها مصر وصدّرتها إلى محيطها العربى فى النصف الأول من القرن العشرين، مروراً بفكرة القومية العربية التى ألهمت مصر بها كل جوارها، مروراً بفكرة السلام مع إسرائيل التى أصبحت مقبولة عربياً الآن بعد أن كانت مرفوضة وقتها، ثم كانت الفكرة الملهمة الرابعة المتمثلة فى الاحتجاجات الشعبية على المظالم الاجتماعية وعلى تسييس الدين والتى كانت تبدأ من مصر وتجد صداها فى بقية الدول العربية كما حدث عامى 2011 و2013 وفى هذا دلالة على أن مصر لا تزال تملك ما يكفى من أسباب الإلهام والتأثير، ولا تزال تملك مخزوناً هائلاً وقدرات كامنة فى مجال القوة الناعمة، وما علينا إلا بعثه وإثبات القدرة على إدارته واستخدامه، ما علينا سوى إعادة الإضاءة إلى مراكز قوتنا ونفوذنا، ولأن المشكلة لم تكن فى امتلاك مقومات القوة الناعمة بقدر ما كانت فى إدارتها واستخدامها بشجاعة وحصافة ورشد، لذا فإن مصر فى أمسّ الحاجة لبلورة رؤية واستراتيجية لتعظيم قدراتها على استخدام هذه القوة لخدمة مصالحها القومية، وهنا لا بد من الالتفات إلى أمرين مهمين:
أولاً: لا بد فى أى محاولة جادة لإعادة إطلاق قدرات ومقدرات مصر الناعمة الانطلاق من حقيقة أن قوة الدولة الناعمة ليست فقط انعكاساً لما تملكه الدولة من أدوات ثقافية وفنية وإعلامية كما هو التصور الشائع لدى قطاعات معتبرة فى مصر عند حديثها عن الموضوع، ولكنها انعكاس للقوة الشاملة للدولة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن ترتيب الدولة فى مؤشرات عالمية مهمة، مثل الحكم الرشيد، والتنافسية الاقتصادية، ومؤشرات الابتكار والشفافية والحوكمة والتنمية المستدامة يسهم بشكل أساسى فى تحديد مكانتها كقوة ناعمة، والنظر إليها من دول وشعوب العالم الأخرى كنموذج له جاذبيته للآخرين، وبالتالى إذا أرادت مصر أن تحظى بموقعها فى خريطة الدول الأكثر امتلاكاً لعناصر القوة الناعمة، عليها أن تدرك أن الأمر يتجاوز إعادة إحياء الثقافة والفنون، وأن تدرك جيداً أن الاقتصاد والحرية هما جناحا ازدهار القوة الناعمة، فمهما يكن عدد مَن نملكه من أدباء وشعراء وفنانين، ومهما بلغ عدد مسارحنا، ومهما وصل إليه حجم إنتاجنا الدرامى والسينمائى، حتى لو عاد بمستوى قوة حقبة الخمسينات والستينات التى ما زال البعض يتباكى عليها، فإنه يظل بلا قيمة تُذكر، إن لم يعمل فى سياق من الممارسة السياسية الإيجابية والمسئولة، وفى ظل اقتصاد تنافسى قادر على توفير فرص للعيش الكريم، وفى ظل نظام تعليمى ذى جودة عالمية تتوافر فيه مقومات التنافسية والقيم الإيجابية ويكون جاذباً للطلاب الوافدين، وبالتالى فإن أى جهود لإطلاق قدرات مصر الناعمة يجب ألا تغيب عنها النظرة الشاملة لمفهوم القوة الناعمة بأبعاده السياسية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية والثقافية.
ثانياً: لا بد من توافر رغبة سياسية وإرادة مجتمعية لاستغلال مصادر القوة الناعمة وتحويلها إلى نفوذ، فهناك فارق بين أن تمتلك عناصر للقوة الناعمة وأن توظف هذه العناصر لخدمة ما تسعى إليه من دور وتأثير فى محيطك وخارج حدودك.
فقد تملك كل عناصر ومقومات القوة الناعمة، لكنك قد تعجز عن توظيفها، والعكس صحيح... فقد تمتلك قدراً يسيراً منها، لكنك يمكن أن تضاعف تأثيرها لتعوض غياب بعضها، والأمر هنا رهن توافر إرادة سياسية راغبة فى تحويل كل مقوّم من مقومات القوة الناعمة، إلى فرصة، وهنا لا بد من الحديث عن ضرورة توافر الوعى السياسى بأهمية القوة الناعمة لدى كل الأطراف الفاعلة فى المجتمع، وأهمية توفير الإطار السياسى والتشريعى الذى يمكّنها من توظيف مقوماتها، وهنا فإن الإرادة السياسية والدعم المجتمعى هما اللذان سيؤهلان مصر لدخول قائمة أعلى 30 دولة على مؤشر القوى الناعمة، خاصة أن المؤشر يعتبر مصر من الدول التى تمتلك مؤهلات قد تمكّنها من دخوله، لذا يختارها القائمون عليه من بين دولتين عربيتين فقط مع الإمارات لإجراء الاستطلاع المتعلق بالمؤشرات غير الموضوعية. وأخيراً يمكن القول إن بناء القوة الناعمة المصرية ليس حكراً على الدولة، فهناك دور كبير يمكن أن يسهم به القطاع الخاص، لا سيما فى مجالات الإنتاج الفنى والأدبى والثقافى، وكذلك هناك ضرورة للتعاون بين الأجهزة الثقافية الرسمية، والجمعيات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدنى، شريطة أن تتاح لها حرية العمل، وحرية طرح المبادرات وتنفيذ الفعاليات المستقلة.