ارجع يازمان: الحب الأول دمر الصور.. وبقيت الذكريات

ارجع يازمان: الحب الأول دمر الصور.. وبقيت الذكريات
رغم بساطة قريته «كفر حجازى» فى الغربية، فإنه حظى بكثير من الصور الفوتوغرافية، منذ ولادته عام 1939 وحتى الستينات، صور لوالدته، وجده الذى يشبه باشوات الأتراك، وله فى مراحل النمو المختلفة كنز ضخم، لكنه لم يعد موجوداً، كلما تذكره شعر بأسى شديد؛ فحكايته مع الصور غير سارة بالمرة.
«كان عندى صور كتير لطفولتى، وفى مراحل الصبا والطفولة والشباب، حزمة من الصور، ضاعت جميعاً على يد فتاة أحببتها وتخليت عنها بندالة، فسرقت كل هذه الصور وتخلصت منها، لا أعرف إن كانت حية أو ميتة، كان هذا فى أوائل الستينات البعيدة، وكانت مجموعة صور بكيت لأجلها، فقد كانت بها صورة لأمى، قبل أن ترحل».
يعترف الرجل السبعينى بسره الصغير، لكن الحبيبة لم تكن وحدها سبب ضياع الصورة، فقد تكفل الزمن ومرور الأيام بالقضاء على بقيتها، بحيث لم يعد يملك من صور شبابه إلا القليل.
من بين كل الصور الضائعة، يتذكر تلك الصورة التى التقطها له زميل العمل فى قرية «الخصوص» بالقليوبية، الصورة التى يعود تاريخها إلى عام 1962 ضاعت، لكنها ما زالت محفورة فى رأسه كأنها أمامه باستمرار.
الترعة النقية، وفلاحة تسحب من خلفها جاموستها، والأرض الزراعية الممتدة فى الأفق، والسماء الصافية، وهو أمام هذا كله يبتسم للصورة بسعادة وارتياح.
«صورة بين عهدين».. هكذا يصف صورته فى قرية «الخصوص»؛ حيث كان يعمل فى شبابه محاسباً فى الجمعية الزراعية، دون أن يعلم أن القرية ذاتها سوف تتحول إلى مدينة سكينة عشوائية زاخرة بجميع أشكال التلوث والقبح: «كنت لسه مستلم شغلى فى بنك التسليف.
صورة بسيطة لكنها فى الحقيقة صورة بين زمانين، زمن الدخول على متغير مهم هو الاشتراكية، سنتها كانت مصر بتتهيأ للانتقال من بواقى الحقبة الليبرالية، إلى دولة عبدالناصر الاشتراكية، وأنا شخصياً انتقلت للتعرف على جيل الستينات؛ حيث بدأت التردد لأول مرة على مقهى ريش حول نجيب محفوظ، وقابلت الأصدقاء محمد عفيفى وإبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبدالله وعبدالرحمن الأبنودى، كلما نظرت إلى تلك الصورة تذكرت الفارق الهائل فى حياتى وحياة مصر، قبلها وبعدها».
لا يتذكر الأديب والقاص سعيد الكفراوى اسم صديقه الذى التقط له الصورة، لكنه يتذكر كم كان فى شبابه يشبه الممثل الراحل أحمد زكى: «كنت نحيلاً وفقير الثياب، أضع على عينى نظارة، وبداخلى كل أحلام الدنيا فى أن أكون كاتباً متميزاً له عالمه وجماعته المغمورة التى كتبت عنها طوال عمرى وحتى الآن».
الشاب ابن الـ20 عاماً وقتها كان سعيداً للغاية بوجود كاميرا «كوداك» معه: «ما كانتش كاميرا، كان صندوق فارغ، قادر فقط على تثبيت صورة واحدة بالأبيض والأسود، هذا الاختراع موجود فى مصر من أواخر القرن الـ19، اسمها كودك، كنا بنفكر فى أفضل كادر لأنها صورة واحدة بس».