ارجع يازمان: صورة «المناضل» فى شبابه

ارجع يازمان: صورة «المناضل» فى شبابه
بين جدران أربعة، انزوى الفتى ذو البنية النحيفة نسبياً، يتفحص تفاصيل الغرفة المُعتمة التى يدرك بعضها بصعوبة بالغة من وراء نظارته الزجاجية، يتذكر ملامح العائلة والأصدقاء والشوارع التى حرم منهم حين زُجَّ به فى غياهب السجن قبل سنوات، لم يكد يفيق من غفوته قبل أن يأتيه صوت أجش، لعسكرى عريض المنكبين، طفق يغتاله بنظرات قاسية، ما لبث أن فتح باب السجن لنسمات الحرية الذى لم يأتِ بعد أوانها، ليسأله الخروج برفقته فى عجالة، لالتقاط صورة طلبتها إدارة معتقل المحاريق بالواحات.
الصورة التقطت لـ«رفعت» عام 1962، وكانت إدارة المعتقل وجهاز أمن الدولة قد حرصا وقتئذ على تحديث حالة المعتقلين سياسياً ورصد أى تغييرات من الناحية الشكلية والظاهرية بشكل دورى، نظراً لطول المُدد التى كانوا يقضونها داخل السجن، يقدم الصبى ابن الـ22 عاماً على تسريبها من خلال عسكرى دأب على إعطائه بعض النقود لتوصيل خطاب إلى عائلته بغية الاطمئنان على أحواله، لكن هذه المرة كانت الصورة تحمل رسالة طمأنة إلى الحبيبة والخطيبة التى أصبحت فيما بعد الزوجة ورفيقة الكفاح «ليلى شان».
المعتقل بجدرانه الكئيبة لم يشكل يوماً عبئاً على الصبى المناضل الذى ألقى بتهم الشيوعية فى عهد الزعيم جمال عبدالناصر، كان يذوق خلالها كل ألوان العذاب حتى يعترف على نفسه بجرائم لم يرتكبها، فكانت البداية فى صيف 1953، بعد اتهامه بالاشتراك فى حريق القاهرة يناير 1952، حيث أفرج عنه مع تشكيل الحكومة فى 30 ديسمبر 1956، ليعود إلى السجن بعدها بثلاثة أشهر فقط، ليفرج عنه عام 1964.
الشاب الذى تفتحت عيناه على محاربة الاستعمار ومن بعدها النضال فى سبيل الوطن، أبى أن يخاطب الرئيس جمال عبدالناصر لاستعطافه الخروج من السجن، ليؤثر البقاء فى المعتقل والحرمان من الحرية ونيل النصيب الأكبر من التعذيب على التفريط فى كرامته.
الصورة التى لم يقبل د. رفعت السعيد، رئيس حزب التجمع، طيلة السنوات الماضية التفريط فيها، كان حريصاً فى أول يوم لخروجه من المعتقل على تكبيرها وتعليقها فوق مكتبه فى العمل والمنزل كى تحثه على عدم الرضوخ والاستسلام لأى ريح مهما كانت عاتية.