«سلامة الغذاء».. كُحل أم عمى؟!
- محمود البرغوثى
- سلامة الغذاء
- الحاصلات البستانية
- الصناعات الغذائية
- محمود البرغوثى
- سلامة الغذاء
- الحاصلات البستانية
- الصناعات الغذائية
حينما يتشدق مسئول حكومى فاشل إدارياً، بأنه يعمل وفق «تكليفات رئيس الجمهورية»، فهذا يعنى أنه يُصَدِّر للجمهور مفهوماً يعنى أن الرئيس كلفه بالتخريب والهدم، وليس بالتعمير والبناء.
وما يحدث فى هيئة سلامة الغذاء بشهادة المتعاملين معها من مصدِّرى الحاصلات البستانية والصناعات الغذائية، يؤكد فرضية التكليف بالهدم، سواء عن عمد، أو بالخطأ.
فرئيس الجمهورية لا يُهمِل فى كل توجيهاته التركيز على تشجيع الصادرات، بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومى من العملة الصعبة، كما أنها - أى الصادرات - إحدى أهم الوسائل التسويقية التى تحافظ على ربحية الزراعة والمزارعين.
ومن يقرأ هذا المقال/ الحلقة الثانية عن هيئة سلامة الغذاء المصرية، يظن أن الأمر مجرد ترصّد للهيئة التى انتظرناها 20 عاماً، لتنقل صادرات مصر إلى أرقام تليق بتقدمها فى مجال البحث العلمى الموجه لإنتاج الغذاء، فتسببت فى إبطاء حركة الصادرات الزراعية والغذائية، ليضطر الحجر الزراعى للضغط على المصدرين بزيادة الأعمال، كى لا تتراجع كمية الصادرات، ومعها حصيلة مصر من العملة الصعبة.
ضغط الحجر على المصدرين يضيف أعباء ونفقات عليهم، فتتراجع أرباحهم، وبالتالى تتناقص أعدادهم لخروج بعضهم من المنظومة، وهذا ما لا يتفق مع أهداف رئيس الجمهورية، الذى يستخدم رئيس الهيئة اسمه ومنصبه كفزاعة للمتعاملين مع هيئة وُجِدَت لأهداف إيجابية لم تتحقق خلال 3 أعوام وأكثر مرت من عمرها، وبعد نحو عامين من صدور لائحتها التنفيذية.
فوفقاً لشكاوى انهالت على الواتس آب، تفاعلاً مع مقال الأسبوع الماضى فى «الوطن»، تسببت الهيئة بتعنتها فى تكبيد المؤسسات الصناعية الكبرى خسائر فادحة، نتيجة الإنفاق على مصانعها العملاقة لتنفيذ نحو 138 بنداً تؤهلها لدخول القائمة البيضاء المحظية بالتصدير إلى دول الخليج والاتحاد الأوروبى، مع استمرار وقف الحال، ودفع رواتب عمالة، وضرائب، وغيرها، بسبب عدم السماح لها بالتصدير دون اعتماد لجنة رقابية مثيلة من السعودية.
وللتدليل على هذا الحديث نورد الحالات المستندية التالية:
- نحو 37 مؤسسة كبرى للتصنيع الغذائى، من أجل السوق المحلية والتصدير، أنفق كل منها ما لا يقل عن 20 مليون جنيه لتأهيل مصانعها للحصول على شهادة الهيئة المصرية، لكن المصانع منذ الربع الأخير من 2018 موقوف حالها، فى انتظار لجنة من هيئة الغذاء والدواء السعودية، لاعتمادها من أجل التصدير لسوق المملكة.
هذه المؤسسات فى أوراقها وأرقامها المثبتة فى إحصاءات المجلس التصديرى للصناعات الغذائية، توقفت عن تصدير ما قيمته نحو 1.8 مليار دولار سنوياً للسعودية ودول أوروبا، منذ صدور اللائحة التنفيذية لهيئة سلامة الغذاء المصرية، بسبب منهجها القائم على قاعدة «مَلَكى أكثر من الملك».
- تلقت الهيئة رسالة من هيئة الغذاء والدواء السعودية بإرسال قائمة المصانع المعتمدة طرفها، لمنحها شهادة موافقة بالتصدير لمدة 6 أشهر، لحين تمكنها من مغادرة السعودية - فى ظل كورونا، لكن الهيئة المصرية أصرت على وقف الحال لحين مجىء الجهة السعودية بأعضائها للتفتيش، ومنح الموافقة من عدمه، ليظل نحو 37 مصنعاً رهن هذه الزيارة.
الهيئة التى أُنشِئت لتشجيع الصادرات المصرية، ورفع كفاءتها من خلال ضبط أداء مؤسسات التصنيع، ربما لا تعرف أنها تسببت فى زيادة عدد مصانع بئر السلم التى تُنتِج لصالح عدد قليل جداً من المصانع المحظية باعتماد اللجنة السعودية، فركزت أعمالها على بيع اسمها لكل من هب ودب، كى يصدّر إلى السعودية، وذلك مقابل 30 ألف جنيه لكل شحنة.
- الحالة الثانية لشُحنة ثوم وزنها 23 طناً، تظل منذ الثامن من أكتوبر الماضى، رهن إشارة مدير فرع الهيئة فى ميناء العين السخنة، بالإفراج عن الحاوية التى رفضتها الأردن، فأعيدت إلى مصر، وعلى الرغم من فحصها ظاهرياً وفرزها واستبعاد المعيب منها (لا يزيد على شيكارة)، يصر مدير فرع الهيئة على إعدامها، على الرغم من صلاحيتها للتجفيف، وإعادة زراعتها كتقاوٍ.
الشركة دفعت فى هذه الحاوية رسوم أرضيات فى الميناء نحو 9500 دولار، إضافة إلى تكاليف أخرى لإعادة الشحن، وثمن البضاعة البالغ نحو مليون جنيه.
وبالتطرق إلى الأمور المالية والاقتصادية فى عمل هيئة سلامة الغذاء، يصر رئيسها البروفيسور النزيه على أن الرسوم التى تتحصل عليها كمقابل لعمل رجالها، رسوم حكومية صدر لها قانون، علماً بأن فرضها تم بلائحة داخلية، بناء على ما جاء فى اللائحة التنفيذية التى تم نشرها فى الجريدة الرسمية بتاريخ 18 فبراير 2019، وتبلغ نحو 16 ضعف الرسوم التى كانت تُحصِّلها الهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، قبل مارس 2019.
حصدت الهيئة رسوماً قدرها نحو 109 ملايين و70 ألف جنيه، مقابل فحص شحنات بلغ وزنها نحو 4.5 مليون طن خلال الشهور المنقضية من 2020، تمثل نحو 195 ألف حاوية، هى جملة الحاصلات الزراعية المصرية خلال هذه الفترة من العام الجارى، مقابل نحو 6 ملايين و240 ألف جنيه فقط هى جملة رسوم هيئة الرقابة على الصادرات والواردات للكمية ذاتها قبل مارس 2019، ولم تكن تعوّق العملية التصديرية.
المبالغ لا تمثل فاتورة ثقيلة على عصب الاقتصاد المصرى، ومن الممكن ألا تسبب تأففاً لدى المصدرين، شرط أن تكون نفقات فى موضعها الصحيح، مثل تأمين أجهزة تحليل فى أسواق الخضراوات والفواكه، وتجنيد فرق فنية لتنفيذ نظام التتبع الذى تحتويه بنود اللائحة التنفيذية للهيئة، لتسهيل الوصول إلى مصدر المخالفة، وتحقيقاً لهدف «الحفاظ على صحة المستهلك المحلى».
صادرت هيئة سلامة الغذاء المصرية أكثر من 17 اختصاصاً للحجر الزراعى، والجمارك، ووزارة الصحة، والهيئة العامة للخدمات البيطرية، والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وجعلت من موظفى هذه الجهات، فرقاً خبيرة من «الكاظمين الغيظ»، لأن حضورهم فى مناطق اختصاصهم، أصبح وجوداً «منزوع الدسم» من وجهة نظرهم.
ولأن الهيئة وُلِدَت بلا ميزانيات ولا درجات وظيفية، فيمكن أن تكون واردات صندوقها ذات ميزة نسبية فاعلة، شرط أن ترفع آلياتها الفنية البشرية والتقنية، بدلاً من استمرار جهل منتسبيها بطرق سحب العينات، وكثير من الأمور الفنية الواجب توافرها فى «الفاحص»، على الرغم من أن معظمهم من حملة درجة الدكتوراه.
ومع تشدق رجال الهيئة بأنهم فوق الشبهات، وليسوا من أرباب «شاى الياسمين»، يجب التنويه بأن الأيادى النظيفة وحدها غير كافية للبناء، وأن بناء حوائط الفظاظة والفزع بين الفاحصين والمصدّرين بدعوى «نظافة الأيدى»، تُكسِب المنظومة شكلاً بوليسياً، يكون فيها الفاحص فرد بوليس، والمفحوص متهماً لن يتمكن من إثبات براءته.