الأزهر وفرنسا.. تعاون وتبادل خبرات ثم خلاف بعد الإساءة للرسول والإسلام

كتب: عبد الوهاب عيسي

الأزهر وفرنسا.. تعاون وتبادل خبرات ثم خلاف بعد الإساءة للرسول والإسلام

الأزهر وفرنسا.. تعاون وتبادل خبرات ثم خلاف بعد الإساءة للرسول والإسلام

شهدت العلاقة بين الأزهر وفرنسا تعاونا وثيقا، تجلى بزيارات متبادلة، حيث زار الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، فرنسا عدة مرات، أبرزها كانت في العام 2016، والتي استقبله خلالها رئيس الدولة.

وأجرى الرئيس الفرنسي ماكرون، زيارة إلى الأزهر، وطلب من المشيخة المساعدة في تدريب الأئمة في فرنسا، وهو ما تلقاه الأزهر بقبول تام، إلا أنّ العلاقات وصلت لمرحلة سيئة مؤخرا، ووجّه الأزهر انتقادات واضحة لتصريحات مسؤولين فرنسيين.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أكد خلال زيارته للأزهر في يناير 2019، أنّه يتطلع للتعاون مع الأزهر والتنسيق معه، لتعزيز قيم المواطنة والتعايش والاستقرار في المجتمع الفرنسي ومواجهة التيارات المتشددة التي تستقطب الشباب المسلم في فرنسا.

وقال ماكرون، خلال لقائه مع الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، إنّه يرغب في أن "يتلقى الأئمة والدعاة الفرنسيون تدريبهم في الأزهر الشريف، وأن يتلقى الطلاب الفرنسيون تعليمهم الديني في جامعة الأزهر، ليكونوا ضمانا للاستقرار ولاحترام قواعد المواطنة".

وأكد الرئيس الفرنسي، أهمية استعادة العلاقات الثقافية بين الأزهر وفرنسا، من خلال تبادل المنح والعلاقات الأكاديمية بين الجانبين.

من جانبه، أكد شيخ الأزهر أنّ زيارة الرئيس الفرنسي للأزهر تمثل أهمية خاصة نظرا للعلاقات الثقافية والتاريخية التي تربط بين الأزهر وفرنسا، والتي تتمثل في المبتعثين الأزهريين إلى فرنسا، الذين أصبحوا رموزا للفكر والثقافة في مصر.

وأوضح أنّ العلاقات القوية تحتم على الأزهر مساعدة فرنسا في التغلب على الإرهاب، ومواجهة الذين يقتلون الآخرين باسم الدين، مؤكدا استعداد الأزهر لدعم فرنسا من خلال برنامج لتدريب الأئمة على مواجهة الفكر الإرهابي، وتقديم منح للطلاب الفرنسيين للدراسة في الأزهر الشريف، لتكون فرنسا مركزا لنشر الفكر الوسطي في أوروبا.

وأكد شيخ الأزهر، أنّ السلام هو الرسالة الأولى من رسائل الإسلام الصحيح الذي يحمله الأزهر، والذي يعتبر الضامن الوحيد لحماية الأرواح والدماء البريئة، مشيرا إلى أنّ الأزهر على استعداد للمساعدة في إنقاذ أي إنسان يعيش في أي مكان بالعالم من أن يقتل باسم الدين.

وبعد وئام دام لسنوات، دبّت الخلافات بين الجانبين، ووصل الأمر إلى نقد مؤسسة الأزهر لبعض تصريحات وتصرفات المسؤولين الفرنسيين، خلال أزمتي وصف الإسلام بالإرهاب، وإعادة نشر الرسوم المسيئة للرسول.

والبداية كانت حين قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إنّ "الدين الإسلامي يمر بأزمة عميقة"، وأنّ بلاده ستتصدى لـ"الانعزالية الإسلامية" الساعية إلى "إقامة نظام مواز له قيم أخرى"، متابعا أنّ الدين الإسلامي "يمر بأزمة في جميع أنحاء العالم ولا نراها في بلادنا فقط، وهي أزمة عميقة مرتبطة بالتوترات بين الأصوليين والمشاريع الدينية السياسية".

وجاءت تصريحات ماكرون، بعد أيام من تصريحات وزير الداخلية الفرنسية جيرالد دارمانان، قال فيه إنّ بلاده "في حرب ضد الإرهاب الإسلامي".

واستنكر مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، تصريحات الرئيس الفرنسي، في الثالث من الشهر الحالي، والتي اتهم فيها الإسلام باتهامات باطلة لا علاقة لها بصحيح هذا الدين.

وأكد المجمع، في بيان له، رفضه الشديد للتصريحات التي تنسف الجهود المشتركة بين الرموز الدينية للقضاء على العنصرية والتنمر ضد الأديان، مؤكدًا أنّ مثل هذه التصريحات العنصرية من شأنها أن تؤجج مشاعر ملياري مسلم ممن يتبعون هذا الدين الحنيف.

وأكد المجمع أنّ إصرار البعض على إلصاق التهم الزائفة بالإسلام أو غيره من الأديان كالانفصالية والانعزالية، هو خلط معيب بين حقيقة ما تدعو إليه الأديان من دعوة للتقارب بين البشر وعمارة الأرض، وبين استغلال البعض لنصوص هذه الأديان وتوظيفها لتحقيق أغراض هابطة.

ودعا المجمع هؤلاء، إلى ضرورة التخلي عن أساليب الهجوم على الأديان ووصفها بأوصاف بغيضة، لأن ذلك من شأنه أن يقطع الطريق أمام كل حوار بنّاء، كما أنّه يدعم خطاب الكراهية ويأخذ العالم في اتجاه من شأنه أن يقضي على المحاولات المستمرة للوصول بهذا العالم إلى مجتمع يرسخ للتعايش بين أبنائه ويقضي على التفرقة والعنصرية.

وفي اليوم التالي، أعرب الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عن غضبه من إصرار بعض مسؤولي الدول الغربية، على استخدام مصطلح "الإرهاب الإسلامي"، وذلك بعد تصريحات وزير الداخلية الفرنسي، جيرالد دارمانين، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بشأن الإسلام، إذ قال الأول إنّ بلاده في "حرب ضد الإرهاب الإسلامي".

وحذّر الطيب، في بيان عنه، وتغريدات نشرت عبر حساب الأزهر على تويتر، من التأثيرات السلبية لاستخدام مصطلح "الإرهاب الإسلامي"، من قبل بعض مسؤولي الدول الغربية، غير منتبهين لما يترتب على هذا الاستخدام من إساءة بالغة للدين الإسلامي والمؤمنين به، ومن تجاهل معيب لشريعته السمحة وما تزخر به من قوانين ومبادئ تجرم الاعتداء على حقوق الإنسان كافة، وأولها حقه في الحياة والحرية والإخوة والاحترام المتبادل.

وأكد شيخ الأزهر أنّ إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام أو غيره من الأديان السماوية، هو خلط معيب بين حقيقة الأديان التي نزلت من السماء لتسعد الإنسان، وبين توظيف الأديان لأغراض هابطة على أيدي قلة منحرفة من هذا الدين أو ذاك.

وأضاف الإمام الأكبر، أنّ هؤلاء السادة الذين لا يكفون عن استخدام هذا الوصف الكريه، لا يتنبهون إلى أنّهم يقطعون الطريق على أي حوار مثمر بين الشرق والغرب، ويرفعون وتيرة خطاب الكراهية بين أتباع المجتمع الواحد.

وطالب شيخ الأزهر، عقلاء الغرب من مسؤولين ومفكرين وقادة رأي، بالانتباه إلى أنّ إطلاق تلك المصطلحات المضللة لن تزيد الأمر إلا كراهية وتعصبا وتشويها لمبادئ الأديان السمحة، التي تدعو في حقيقتها لنبذ العنف والحث على التعايش السلمي بين الجميع.

وأعرب شيخ الأزهر، مرة أخرى في تدوينة له، بـ3 لغات "العربية والإنجليزية والفرنسية" على موقعي التواصل الاجتماعي فيس بوك وتويتر، عن غضبه الشديد تجاه التصريحات التي اتهمت الدين الإسلامي ببعض التهم الزائفة والبعيدة تمامًا عن جوهر هذا الدين ورسالته السمحة.

غرّد فيها: "في الوقت الذي نسعى فيه مع حكماء الغرب لتعزيز قيم المواطنة والتعايش، تصدرُ تصريحات غير مسؤولة، تتخذ من الهجوم على الإسلام غطاءً لتحقيق مكاسب سياسية واهية"، مشددًا على أنّ "هذا السلوك اللاحضاري ضد الأديان يؤسِّس لثقافة الكراهية والعنصرية ويولِّد الإرهاب".

وأمس، نشرت حسابات الشيخ على مواقع التواصل المختلفة استنكارا ثانيا ضد الرسوم المسيئة قال فيه، لا نقبل أن تكون رموز الإسلام ومقدساته ضحية مضاربة رخيصة في سوق السياسات والصراعات الانتخابية، إذ أعلن الشيخ استنكاره من الحملة الشرسة الممنهجة على الإسلام، رافضا أن تكون رموزه ومقدساته ضحية مضاربة رخيصة في سوق السياسات والصراعات الانتخابية في الغرب.

وأضاف في تدوينة باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية، جاء فيها "نشهد الآن حملةً ممنهجةً للزج بالإسلام في المعارك السياسية، وصناعةَ فوضى بدأت بهجمةٍ مغرضةٍ على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، لا نقبلُ بأن تكون رموزُنا ومقدساتُنا ضحيةَ مضاربةٍ رخيصةٍ في سوق السياسات والصراعات الانتخابية".

وأضاف فضيلته: "أقول لمَن يبررون الإساءة لنبي الإسلام، إنّ الأزمة الحقيقية هي بسبب ازدواجيتكم الفكرية وأجنداتكم الضيقة، وأُذكِّركم أنّ المسؤوليةَ الأهمَّ للقادة هي صونُ السِّلم الأهلي، وحفظُ الأمن المجتمعي، واحترامُ الدين، وحمايةُ الشعوب من الوقوع في الفتنة، لا تأجيج الصراع باسم حرية التعبير".


مواضيع متعلقة